

وقت مختلف
كان يقوم بتربيط قضبان الحديد إلى جانبه. يقبض بالكماشة على ثنية السلك ثم يلويها ويتوقف قبل أن تنقطع. يلقي بنظرة متعرّقة إلى الأرجاء من حوله، ويمسح القطرات عن جبهته. المكان جبليّ بعض الشيء لم يصل إليه العمران تماماً والسيّارات تظهر متفرّقة على الشارع المجاور.
اقترب الوقت من الظهيرة والحرارة ستبلغ أقصاها بعد قليل. ينهض بجسمه من تقرفصه ليزيل التعب من ركبتيه. ثمة وخز في ظهره يزيله بالتمسيد السريع. لاحت له نظرة إلى الرجل الذي يشتغل معه. غارق في أفكاره تماماً يتحرّك كماكينة سريعة الحركة. إنه كبير في العمر بعض الشيء ولكنه رشيق نحيف. شعر رأسه قصير جداً ناتئ وجمجمته واضحة الملامح. له سن ناجذ من معدن يشبه الفضة يبرز عندما يبتسم. وبين الوقت والآخر ينادي عليه لشيء جانبي.
الغربة، الغوص في المكان، كتلات التراب التي لم تنقل بعد وبراميل الماء الممتلئة المحيطة وكومة الخشب السوي المرتّبة والأخرى الطبش متفاوتة الأطوال المكدّسة، والصخرات المجروفات منذ تمهيد الورشة الموضوعات جانبا، بانتظار أن تحمّلها الشاحنات. لم يكن يختلف عن الجمود الذي حوله سوى أنّه يفكّر ويتنفّس.
– تعال نشرب الشاي.
– جاي.
ينحني ليكمل ربط بقية هيكل المستطيل من القضبان وعندما ينتهي يفكّ الحرجاية عن خصره ويلقيها جانبا مع أدواته الأخرى.
كان الرجل يقتعد التراب، شبه متربّع، يتناول السخّان ويصب في الكوبيين الورقيين الشاي له ولنفسه.
إنّه متبسّم كطبعٍ وشيء يشبه الطيبة يجعله متباسطاً. عندها يبدأ في الحديث عن ابن جار له، شاب، تشاجر مع زوجته وسمع الحيّ. إنه لا يصلي ويقول إنّه ملحد ولا يعرف قدر بنات الناس.
يتفحّص إلى أين قد ينتهي الحديث وأين يرمي. غريب لا يعرفه، ولو كان التبسّط فيه يجعله يحاول خلق حديث. مضى زمن طويل منذ ان كان المعارف يستندون على شيء ثقة يحكمهم، يوّحدهم في اتجاه، وأرضية مشتركة.. الآن الكلّ غرباء عن بعضهم، وفي سريرة كل واحد شيء آخر غير ما يظهره. ردّ:
– الله يهديه..
– تخيّل يا رجل، ضربها واسمع الدنيا فاحضرت له الشرطة. إنه الذي كان يعمل معي قبلك. يقولون إنّه مجنون.
ها قد بدأت. الوتيرة بسيطة وساذجة ولكنها تخفي المستويات. يسوق حديثاً عادياُ لكنه لا يضمن أنه غير محتوٍ لمعنى ناقص. ليست الأشياء كما تبدو، ولكن قول هذا سيجعله يخوض في تفاصيل.
– وماذا فعلت الشرطة؟
– حجزته لأيام إلى أن تصالحا وخرج.
الوقت بأكمله مفخخ.
– ما تعليمه؟
– الثانوية فقط.
سكت. لا يوجد متعلم ثانوية يمكنه أن يدّعي أنه ملحد. لا يقول ذلك إلا مَن له بيئة معيّنة وهذه لها تكاملها، ولو كانت تنطح بغباء كالأكباش.. الضرب يعني صراعا خرج عن أساسه ولجأ الشاب للضبط. الشرطة مرجعية احتكام للمرأة. مجنون، تهرّب للعلنيين من تفسيرات أخرى. ولما كانا قد تصالحا وخرج من الحبس، ففي الأمر ضغوط اتجهت لمنحى.
إنّه لا يريد أن يعرف. سيضطر وقتها للتفكير في كل تفصيل مقدّم استباقا للمعنى المحكم الذي سينغلق في النهاية.
ناتئ الشعر قصيره يكاد يكون أصلع وفي فمه ناجذ الفضة. لا يريد أن يتفحّص وجهه عيانا، ولكنه يستشعر خفيا. طبع التبسّم والتباسط يأمل بشيء..
الشاي في الكوب الورقي خالطه غبار. كانت على طرف لسانه حبيبات خشنة من برادة الاسمنت وصلت للكوب فتفلها جانباً منتظرا بقية الحديث. صبّ الرجل لنفسه مرة ثانية من الشاي ورفع وجهه إليه من تربّعه على الأرض وابتسم.
لا خوف فعليا منه. خبرة حياة عاديه لا تشوبها أفكار ملتوية. يرى بطريقته البسيطة ويدرك بطريقته. يكاد يدرك أين سيتجه، ها قد وضع أساساً تقريبيا. كان عليه أن يعدّل التقريب:
– يا حاج.. العائلات أسرار والله أعلم بالذي يحدث.
– أي أسرار، واضحة كعين الشمس. لا يعرف معنى بنات الناس. لو كانت ابنتي لطلّقتها منه وتركته محبوسا.
– يا حاج، الصغير لا يعرف معنى الالحاد، ويشوفه ميّزة وتباهيا ويظن أن الأمر بسيط. الله يهديهم.
– يهدي مَن؟
– جميع الناس..
وفي تلك اللحظة إنّما وجّه نظره اليه كأنه يخبره أنه يعنيه أيضاً، فارتبك. تشاغل عنه:
– سأقوم لأنتهي من الأساس قبل الأكل.
العرق صاخب غزير وفي العناء استغراق. الامتداد الجبلي في الأرجاء والشارع المتعرّج منحدر.
الوقت ليس كبقية الأوقات. يعلم أن الأسئلة تطرح وأن هناك تفسيرات تتردد، لكن يوجهها كلها الذي يتحكّم بالأقاويل والشائعات. سينتظر بقية كلام الرجل. غايته الملحّة الآن هي العمل وعليه أن يتجنّب ما يعطله. الغرباء تستطيع التقاط أي حركة منهم فليس لديهم صفة سابقة، أمّا المعارف فمن السهل أن يخدعوك، تورّطا وضعفاً أو طمعا في مكانة وتغريرا. قبل العصر القى حرجايته وذهب ليصنع القهوة. وهو يلتصق بالسخان الكهربائي كيلا يفور، أتاه الرجل.
– هل انت متزوّج؟
لم يمض عليه يومان بعد، وتجنّب أي شيء اجتماعي ليطيل الأمد. لم يغيّر بطاقته التي هو فيها متزوّج. فرد عليه:
– نعم.
إن تشكك الآخر كشف ما في نفسه.
– عندك اولاد؟
– عندي.
– الله يخلّي لك اياهم.
– آمين.
من سرعته نسي أن يصبّ له قهوته. انتحى جانباً ينظر للجبل الأجرد. الوقت ليس كبقية الأوقات. الذي يبقي أولاده إلى جانبه دون خضوع أو تنازل فإنه صاحب انجاز. الذي له عائلة لا تهتز، كأنه في حصن حصين.
أتى إليه ثانية يحمل معه قهوته. لا بد أن حديثاً في رأسه فقد اعتاد. الوتيرة هي ذاتها، ولكنه لا يريد أن يتعاطى معها. أشياء لا يلمحها غيره وعليه أن يظل غريبا ليراها بوضوح. ليحدد مَن الذي خلفها والمراحل التي من وجوه. ناجذ الفضّة من أطراف أسنانه يلوح من ابتسامته البادية، القوية علنا، هذه المرّة.. حتى صاحب المقاولة الشاب كان على أكثر من عادة أمثاله. يتساهل ويحضر الوجبات والمشروبات وأحيانا سكاكر كمن يريد، بالتعمد، ترك انطباع جيد عنه، ربما أمامه هو بالذات. كانت موقفاً متفقاً عليه: أنتم ما انتم، وأنا ما أنا، وكان يتحفّظ قدر المستطاع. غير أن ما غير المتفّق عليه هو المسافة والواجبات، وهذه التي يكترث لها فعلا وليس الانطباعات وفخفخة الادّعاء. الحقوق، كالعمل مثلا وعدم استخدامه.
– لم أخبرك. الولد بعد غير مرّة ومشكلة، زهقت منه وطلّقته زوجته.
وأخذ يتبسّم كأنه يقبض على ادراك ثمين. إنّه يعنيه هو. تبسّم له ابتسامة أقوى وردّ عليه ساخراً:
– أين طلقته؟!
– أين سيكون؟ المحكمة أكيد.
هنا سكت، فلم يكن من داع للسؤال الذي لم ينتبه إليه الآخر مباشرة، ولكنه بعدها انتبه.. نظر إليه، شعر ناتئ قصير وجمجمة شبه جرداء وتغوّر طفيف في العينين قابل للاتساع. الخوف، يميّزه بوضوح.
تركه وشأنه وعاد للاستغراق فيما تبقى من ربط أسلاك. الوقت ليس كالأوقات. وصرخ الرجل فهرع اليه. كان قد جرح يده، شيء ما وخزه، ويغسل الدم ويضمّد ويسب ويشتم. هل أربكه فغفل عن احتياطاته وانجرح؟
– أنا كبير. أنتظر أن ينتهي الاغلاق لأجد عملا أفضل.. ك... ام الشغل عند العرب، اليهود أريح وأحسن.
كتم نفسه ولبد. عاد سريعاً فساعة الانتهاء من اليوم أوشكت، وسيأتي صاحب المقاولة ليتفحّص ما انجزاه. هو نفسه، عندما قابله أول مرّة، طلب البطاقة منه وأعادها اربع مرات في عشر دقائق، وعندما سجّله في جدول العمال لم يكتب الاسم كاملا. لاحظ ذلك وتجاهله. سيكسب على الأقل عدة أيام.
– ما رأيك أن نقدم أنا وأنت على تصريح عمل؟
كان يهتف إليه من جانبه، وسؤاله ليس محلّه. إنّه الاغلاق أولا، وهناك ثانيا وعاشراً الذي لا يعلمه.
– أين كنت تعمل يا حاج؟
– عند اليهود. شغلهم أحسن من شغل العرب، أسهل وأجزى. لكن في الاغلاق لم أجد غير هذا العمل.
كتم كلّ ردة فعل يمكن أن تخطر له. موضوع لا طائل منه. إنما التضييق لهذا السبب، والرجل شخص عادي لا يدرك الضير والاضرار والضرار. خطر له فسأله:
– عندك متزوجون؟
– عندي ولد متزوّج وبنت متزوجة وأخرى خاطبة..
وأخذ يسرد تفاصيل الانجاز الاجتماعي والفخر والأنسباء والأحفاد الصغار. فهم حاجته للانسجام العام، فهو لا يرى إلا من هذه الزاوية ومستعد لفعل امور كثيرة.. ستكون خصوصيته قد تآكلت من الاحتكاك والدوران في الحيّز القسري الذي يصنعه النافذون الذين يوجّهون. الملتينة تحت الأثقال المتفاوتة، تتشكّل.
انتهى وقت العمل فذهب للغرفة الكونتينر حيث كانت الملابس المعلّقة. استعاد هيئته الجيّدة وحشر ملابسه المتّسخة بعد نفضها في كيس.
لمّا همّ بالخروج استوقفه ساداً عليه الباب. قال إن صاحب المقاولة أتى وهو يغيّر ملابسه، وأنه ترك له أجرة الأيام الثلاثة.
مدّ له يده بالأوراق النقدية في هيئة من ثبات.
سِن المعدن الذي يشبه لون معدن الفضة، الناجذ على يسار الفم، في الزاوية، كان يلوح بابتسامة خبيثة صريحة.. ومع أن طيّات وجهه هي هي، إلا أنها كانت تتهدّل للأسفل. لا بد من أخذ الملابس المتّسخة لأنه لا يستطيع أن يتركها أو يظل يستبدلها.