

الأزمة الأمريكية وأثرها على الأوضاع في الشرق الأوسط والعالم
يمكن القول بأن المخطط الأمريكي (الترامبي) تجاه الأوضاع في الشرق الأوسط، لا يرتكز على بعد واحد، بل انه متعدد الأبعاد. بتعدد أوجه الأزمة البنيوية التي تعانيها الولايات المتحدة. فهو لا يهدف، فقط، الى تقديم الدعم المطلق للكيان الغاصب وصولا الى تحقيق حلم "اسرائيل الكبرى"، بما يتوافق مع رؤية المحافظين الجدد والصهيونية المسيحية، في الولايات المتحدة. ولكنه يهدف أيضا الى محاولة انقاذ الهيمنة الأمريكية المطلقة على العالم والتي تحققت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع بدايات تسعينيات القرن الماضي. وهي تلك الهيمنة التي برزت، فيها الولايات المتحدة، بجلاء، بوصفها "شرطي العالم"، حيث تمثل ذلك عيانيا في الحرب على كل من العراق وأفغانستان وجرينادا وبنما.. الح.
ولقد تضررت هذه الهيمنة، بشدة، بعد أن أصبحت أمريكا دولة مستهلكة ومستوردة، بعد أن كانت مصنع العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى بداية العشرية الثانية من الألفية الجديدة. فلقد هربت المصانع ورؤوس الأموال الى الصين، وباقي دول شرق آسيا والهند، وأصبح العدو الأكبر للهيمنة الأمريكية متمثلا في هذا الصعود الصاروخي للصين، على صعيد التطور التكنولوجي الهائل وتعاظم الأصول المالية والفوائض التجارية والنفوذ الاقتصادي على الصعيد العالمي على نحو غير مسبوق. وبخاصة مع مشروعها الاستراتيجي الكبير المسمى بمشروع الحزام والطريق، وهو مشروع تشاركي تجاري يمتد من الصين وآسيا شرقا، مرورا بأوربا وأفريقيا، وصولا الى أمريكا اللاتينية غربا. وهو المشروع الذي تم دعمه بتخليق منظمة اقتصادية جديدة تدعى "بريكس"، تضم الدول المنتمية في معظمها الى الجنوب (باستثناء روسيا). وتخطط هذه المنظمة الجديدة لإنشاء بنك دولي، خاص بها، بعيدا عن هيمنة البنك والصندوق الدوليين اللذين تهيمن عليهما الرأسمالية الغربية وزعيمتها الولايات المتحدة الأمريكية. كما تعد بإصدار عملة دولية خاصة بها بديلا عن الدولار الأمريكي، ونظام بنكي جديد بديلا عن نظام سويفت الغربي.. الخ. وهي توجهات مزلزلة وتنذر بانقلاب استراتيجي جذري في ترتيب مراكز الثقل الاقتصادي والصناعي، وما يتبعهما من جوانب سياسية وعسكرية، على الصعيد العالمي.
وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها مهددة على المستويين الرمزي والواقعي، في آن معا، بل على كل الصعد (اقتصاديا وسياسيا وعسكريا)، وذلك على نحو لم تعهده من قبل. وبخاصة مع تفاقم أزمتها الاقتصادية، نظرا للأسباب التي سبقت الاشارة اليها، حيث يزداد معدل التضخم ويزداد العجز في الميزان التجاري لصالح قوى صناعية ناشئة وعلى رأسها الصين، كما يزداد معدل هروب رؤوس الأموال والشركات الصناعية الى البلدان ذات العمالة الرخيصة والخدمات اللوجستية الأيسر. كما تزداد معدلات الديون الخارجية والداخلية (فهي أكبر دولة مدينة في العالم)، ومن هنا فقد شعر صناع القرار في أمريكا بأن اقتصادها يتراجع، وأن امكانية ازاحتها من على قمة العالم على المستويين الاقتصادي والسياسي قد باتت قاب قوسين أو أدنى.
ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب الرعونة، والغوغائية، وازدياد نزعة العنف، والانقلاب على الحلفاء، وعلى قيم الديمقراطية، وعلى القانون الدولي، ومنظمات الأمم المتحدة، على السواء. التي ميزت هذا العهد الترامبي. بما يكاد يصل به الى مستوى الفاشية. (لم يصل اليه بصورة كاملة بعد) فلقد أضحت أمريكا وكأنها دولة توشك الغرق وتتذرع بكل السبل بحثا عن طوق النجاة، أيا ما كان مدى توافق تلك السبل مع الأعراف والبروتوكولات والقوانين الدولية. وأصبحت الشرعية الوحيدة التي تتحرك بمقتضاها السلطة الأمريكية هي شرعية "سلطة الولايات المتحدة"، كما صرح ترامب نصيا، بعيدا عن أية أعراف أو قوانين معترف بها دوليا. وهكذا بدت أمريكا دولة مارقة بنظر القانون الدولي والشرعية الدولية، بعد أن كانت (للمفارقة) هي التي تحاسب الجميع بمقتضى هذا القانون وتلك الشرعية، على التحديد.
وبما أن الصعود الصيني بوجهيه: الاقتصادي والصناعي، والمشروعات والوعود المرتبطة به والتي أشرت اليها، هو الذي يمثل التهديد الأبرز والأكثر جوهرية لاستمرارية الهيمنة الأمريكية على العالم، بل ان هذا الصعود يكاد أن يمثل تهديدا وجوديا حقيقيا لبقاء الولايات المتحدة الأمريكية، ذاتها (نظرا لاحتمال بروز وتفاقم التناقضات داخل المجتمع الأمريكي، في ظل الأزمات المتلاحقة، خاصة مع ظهور بعد النزعات الانفصالية لدى بعض الولايات المكونة لأمريكا الفيدرالية) فان ذلك يمكن أن يوضح طبيعة التحركات الأمريكية على صعيد العالمي. وذلك على النحو التالي:
أولا: محاولة تعويم الاقتصاد الصناعي الأمريكي عن طريق اعلان التعريفات الجمركية الجديدة، وهو أمر مرتبط بالرغبة في تجنب أية منافسة غير متكافئة مع أسعار المنتج الأمريكي، ومحاولة اقالة الصناعة الأمريكية من عثرتها البنيوية. وهو ما يقضي على أفكار أساسية قامت عليها فكرة العولمة الرأسمالية.
ثانيا: محاولة تعظيم الموارد الأمريكية عن طريق الاستحواز على الموارد الطبيعية المتاحة في أي بقعة على كوكب الأرض. ومن هنا نفهم تصريح ترامب برغبته في ضم كل من جرينلاند وكندا، وابتزاز بلدان الخليج النفطية، على نحو لا مثيل له. ويتسق مع ذلك تحول الموقف الأمريكي من الحرب الروسية - الأوكرانية، وبخاصة بعد تلاشي الأمل في الانتصار على روسيا، حيث برزت المطامع الأمريكية في المعادن النفيسة لدى أوكرانيا، كثمن لدعمها في الحرب. وهو ما يفسر، كذلك، هذا التعامل الخشن، والبعيد عن كل القيم والأعراف الديبلوماسية، الذي قام به ترامب في لقائه مع رئيس أوكرانيا (زيلنسكي).
ثالثا: التهديد بالسيطرة على الممرات الملاحية والتجارية الدولية. ويأتي في هذا النطاق التهديد بالسيطرة على قناة بنما في محاولة لقطع الطريق على مشروع الحزام والطريق الذي تدخل تلك القناة في نطاقه، خاصة مع التواجد اللوجستي القوي للشركات الصينية هناك.
ويرتبط بذلك الهجوم على الحوثيين في اليمن، في محاولة لإزاحة أية قوى غير متحالفة مع أمريكا يمكنه التحكم في مضيق باب المندب وقناة السويس.
رابعا: دعم انشاء ما يعرف بطريق البهارات، القادم من الهند عبر الخليج وصولا الى إسرائيل، لقطع الطريق على مشروع الحزام والطريق الصيني، ومحاولة استغلال التناقضات السياسية الكامنة بين الصين والهند، في احكام الحصار حول الصين.
خامسا: محاولة السيطرة على غزة وتحويلها الى منتجع عالمي، ليس فقط بوصفه نوعا من الاستثمار العقاري الذي يتميز به النشاط المالي لترامب، ولكن أيضا لعدة أهداف يمكن اجمالها فيما يلي:
1- تحقيق التواجد العسكري في منطقة البحر المتوسط باعتباره قلب الحركة التجارية العالمية وأهم ممر تجاري لسلاسل توريد السلع، وأهمها النفط والغاز، في العالم.
2- الاستئثار بالثروات الغازية الواعدة في بحر غزة والثروات الغازية في حوض البحر المتوسط.
3- الاشراف، عن كثب، على إعادة الهندسة الديموجرافية لبلدان المنطقة عن طريق دعم جهود إسرائيل في خلق ما تسميه بالشرق الأوسط الجديد، الذي من المزمع أن يكون ممزق الأوصال بما يخدم غاية الهيمنة المطلقة لإسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة على تلك المنطقة المهمة.
4- تهديد وإرهاب دول المنطقة المنضمة حديثا الى منظمة "بريكس". ولقد صدرت تهديدات صريحة من قبل ترامب بهذا الشأن.
ولعل في هذه الذرائع ما يوضح أسباب السخاء الأمريكي المنقطع النظير، على المستويات العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية، مع إسرائيل في حربها الاجرامية على سكان قطاع غزة، فنجاح اسرائيل في تلك الحرب هو ما سيسهل تحقيق تلك الأهداف الأمريكية في غزة والمنطقة، بعامة.
سادسا: ويرتبط بكل ما سبق ضرورة التخلص بالتدمير أو بالتدجين أو التقسيم، ان أمكن من كل القوى الإقليمية المؤثرة، والتي يمكن أن تهدد تلك المخططات. وأما وقد تم التخلص من قوة الجيش العراقي وتدمير الجيش السوري، فان أخطر هذه الدول في اللحظة الراهنة هي إيران، وتليها مصر (وسيلي الحديث عن مصر بعد حين)، ليس فقط لأن ايران تنتهج سياسة معادية للولايات المتحدة، بل أيضا لأنها تقف وراء معظم المنظمات الدينية الراديكالية المقاومة لإسرائيل، من حزب الله، الى حماس، والجهاد، والحشد الشعبي، والحوثيين.. الخ.
من هنا فإنني أعتقد أن الحرب على إيران قادمة بصورة حتمية، وفي القريب العاجل. فلن تستطيع كل من إسرائيل وأمريكا تحقيق أهدافهما المشار اليها، الا بعد القضاء على إيران. خاصة، بعد أن تم تحقيق نوع من الاضعاف النسبي لها بعد تدمير قدرات سوريا وحزب الله وحماس وباقي المنظمات الفلسطينية المرتبطة بها.
أما بالنسبة الى مصر فان الحرب عليها قادمة، أيضا، لا محالة، ولكن بعد التخلص من القوة الإيرانية. وذلك لأن مخططات التهجير والهيمنة على قناة السويس وتحقيق حلم قناة بن جوريون الإسرائيلي، فضلا عن حلم إسرائيل الكبرى (من النيل الفرات).. الخ، كل ذلك لا يمكن تحقيقه الا بالقضاء بصورة نهائية على قدرات وامكانيات واستقلال الدولة المصرية ووحدة أراضيها.
ولكن هل ستسير تلك المخططات دون عوائق، أو مقاومة؟؟
أعتقد أنها ستواجه عقبات كبرى قد تطيح بكلتا الدولتين العدوانيتين وبكامل الهيمنة الغربية على العالم، خاصة مع وجد قوى كبرى متضررة من السياسة الأمريكية، ولكن لهذا حديث آخر.