الثلاثاء ١ نيسان (أبريل) ٢٠٢٥
بقلم ماجد عاطف

فرس في الحقل

أتى لليوم الثاني على التوالي وقلع الوتد.

كان غاضباً لأن الحيوان وُضِع مجددا في الحقل كأنه مرعى مشاع. رأى توجسا طفيفا من الحيوان البُني الجميل وخوفا وترددا. كان المستأنس يهم بالاقتراب منه بينما كان هو خائفا أن يعضه أو يرفسه ويريده أن يبتعد. كان الحيوان يشعر، على الأغلب، بخوفه؛ فيحتار بدوره كيف يتصرف وهو يدور حول آثار الوتد ويتوتّر.

هشَّ عليه بقضيب من البلاستيك ليذهب بعيدا إلى أرض غير أرضه، فكان يمضي ثم يتوقف عند أقل مقاومة لثقل الوتد أو عندما يلتف الحبل الطويل على غرسة صغيرة. اعتاد التقييد حتى نسي فكرة الإفلات. وأقل مقاومة، ولو مقاومة جر كيلوغرام هو وزن الوتد الحديدي، تجعله يتراجع. يبدو أنه أنس أصحابه، ويتوقع معاملة شبيهة من البشر. لكنه كان غريبا لا يعرف الخيل ويخاف في الحقيقة منها. لا يزال يتذكر ذلك البغل الذي رفسه في صدره وهو صغير، حين كان خلفه مع الحرّاث. لولا أنه كان يتراجع للخلف واحتوى صدره الرفسة بالوقوع على التراب، لتحطمت أضلاعه. ولطالما سمع عن عضات البغال والحمير.

بعد ذلك ثارت ثائرة جيران الأرض الذين تناقلوا الخبر، على ما يبدو، بالاتصالات الهاتفية. هرعوا في سيّارات ومشاةً، ومنهم شابة عرف فيما بعد أنها كانت تراقبه من شرفة منزل ليس ببعيد كثيرا، من الطابق الثاني، وربما هي التي ربطت الحيوان.
عرّف نفسه. وبعد أخذ وردّ مع شابين من أصحاب الحيوان، ومحاولتهم تبرير وضعه في الأرض ورفضه الحازم لذلك، عرف أنها فرس. لم يفكّر قط أنه حصان أو فرس، بغل أو بغلة. لا يهم.

من بين الذين أتوا على عجل كانت هناك امرأة في الستين. اتّهمته أنه ضرب الفرس. وقالتها بلوعة كأنه ضربها هي! هل كانت تؤلّب عليه الشابين تفتعل مشكلة، أم أن أحدهم أخبرها بشيء لم يحدث وتماهت من ناحيتها مع الفرس التي تطالبه بمراعاتها؟

انقلب الحق باطلا، والباطل حقا!

اوضح أنه لم يضربها (لخوفه في الحقيقة من ردة فعل الحيوان الهائل!)، وأنه فقط أخاف الفرس. لكنه حتى لو فعل، فذلك مبرر له لأنه يريد إخراجها من الحقل حيث ترعى ولا سبيل له إلا بإخافتها. وهناك شهود على تحذيره من اليوم السابق حين حلَّ الحبل وأبعدها.

سأله الشاب الذي أتى سريعا بسيارة حديثة يبدو أنها -من لوحتها الصفراء- مسروقة أو مشطوبة وغير مرخّصة:

  ماذا لو صدمتها سيارة؟ من سيتحمل المسؤولية؟

وما شأنه هو؟

  لماذا وضعتها في أرضنا؟ أنا وجدتها وطردتها. ضعها في أرضك.

عندئذ قالت المرأة إن الأرض بور. كان ذلك كذبا، لأنها حُرِثت لسنوات متتالية ولم تحرث في السنة الأخيرة فقط، لوجود غرسات زيتون متقاربات.

استفزّه هذا المنطق العجيب المتداول في التعدي على أملاك الآخرين، ولكنه ضبط نفسه. لم يرغب في ردّ منطقها لأنه عندها سيتورط في جدال مع امرأة كبيرة.

  بور أم غير بور، لا تضعوا الفرس في أرضنا.

انتهى الموضوع لكنه بقي يراقبهم عن بُعد والفرس تنقاد لهم بوداعة وأمن وثقة، ويتأمل كيف هرعوا جميعا، الجيران والشابان وأكثر من امرأة، بسبب فرسهم المتعدية. لا شك، هناك حديث شامت ومستهجن ومادح، سيدور في أمسيات الجيران قريبا.

لساعات بقي يتذكّر سلوك الفرس وخوفها وحاجتها للود والأنس والطمأنينة. تذكّر النساء المتعِبات اللواتي أطلَّ على حياتهن أو اطللن عليه. ربما كلّهن متعِبات أو هو متعِب. مع ذلك، مسّته الفرس برقتها وخوفها وحاجاتها النفسية هو الذي لا يعرف طباع الخيل؛ ومن ناحية ثانية تظل المتاعب/المخاطر قائمة وهي أولى بالتحرّز، كالتعدي على الأرض.

لأمر ما، فهم -أو شعر- لماذا يشبّهون المرأة بالفرس أو العكس. تنشأ في الرعاية واللطف، وتردّ من ناحيتها بالألفة والتودد والسلام، ناهيك عن الجمالية والجاه والمنافع. بل لعل الفرس، فكّر، أفضل من المرأة. إذا حصلت على الاهتمام، ويبدو أن هذا -هو المنفصل- ما غير قادر على تقديمه لامرأة وهو سبب تأمله، تصبح ودودة ليست صعبة الشكيمة ولا متقلّبة المزاج أو عدوانية!

الخيل في نواصيها الخير.

كانت المرأة الستينيّة محقّة: لا ذنب للفرس. هم الذين ربطوها هناك، وهم المخطئون. وهو من ناحيته لم يخطئ أيضاً، فليس مجبرا على رعاية فرسهم التي وضعوها في أرض غيرهم بلا إذن وموافقة، وأفلتها لهم في اليوم السابق ليكفّوا.
رغم رفضه الداخلي للمقاربات التقليدية، وجد نفسه يقارن بين طباع المرأة والفرس. مطالب الفرس بسيطة جداً مقارنة مع المرأة!

لا يظن أن تلك الفرس تستعمل للركوب والأعمال الشاقة، إنما للاستيلاد والتجارة، وفي أحسن الأحوال للمباهاة وزفّات الأعراس. استثمار الغريزة والناحية الجمالية فقط.

الأعمال الحقيقية، الشاقة، لها البغال والحمير والرجال والآلات!

وفي القرى، حتى لو كانت المرأة هي المتعدية والمخطئة بكل المقاييس، يعني الفرس، فحذار أن تخطئ في التعامل معها! لا يجوز طردها أو ضربها إنما اقتياد أمرها بلطف واحترام والمشي –كخادم!- أمامها حتى تصل إلى أصحابها، ولا يهم قبل ذلك -أو بعده- أنهم المعتدون!!

هكذا هي بعض الأشياء في العالم عبر الزمن كلّه، وهكذا ستظل!

"أما الحمار الذي ينهض بأعمال يومية لا شأن له بها لأنه مجبر، يا إلهي كم يحتمل الحمار، فأمره مختلف". كان يردد بضيق صدر وتذكّر مزدحم.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى