سعيٌ من أرض نينوى
في مديح الرسول صلى الله عليه وسلم
من حديثِ الرسولِ فاضَ الماءُ
فإذا الأرضُ والغيومُ ارتواءُ
كلُّ قولٍ لفظْتَهُ يا حبيبي
ردّدتْهُ على مداها السماءُ
ذاكَ نورُ الأكوانِ أُطفئَ لمّا
قد تبدَّى جبينُكَ الوضّاءُ
همسَ العشبُ للرياحِ استكيني
وقفي في المدارِ يا جوزاءُ
أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يبكي
سوفَ تندكُّ الصخرةُ الصمّاءُ
بلَّ ريشَ الوِسادِ دمعٌ طَهورٌ
فإذا الريشُ دوحةٌ خضراءُ
ما حليباً أُرضِعْتَ لكنْ شراباً
من جنانٍ وثغرُكَ الأشذاءُ
أيُّ طفلٍ هذا الذي حينَ يصحو
معَهُ تصحو هذهِ البطحاءُ
قالتِ الأرضُ للسماءِ غُروراً
سارَ فوقي نبيُّنا المشّاءُ
ضَحِكَتْ عندَها السماءُ وقالتْ
سوفَ يأتي المعراجُ والإسراءُ
ذُقْتَ طعمَ الفُقدانِ والعودُ غضٌّ
يا لَحزني عليكَ يا بكّاءُ
لم يعدْ منهما أمامَكَ إلا
محضُ طيفٍ وسيرةٌ بيضاءُ
رُحْتَ ترعى الأغنامَ هل كنتَ تدري
سوفَ ترعى ممالكاً لا تُساءُ
كلُّ مرعىً تمرُّ فيهِ خصيبٌ
كلُّ زرعٍ على يديكَ نمَاءُ
رملُ هذي الصحراءِ صارَ نجوماً
ومنَ الصخرِ فُجِّرَتْ أنداءُ
إنَّ هذي الحياةَ تبدو كغصنٍ
ساكنٍ لم يهزَّهُ العظماءُ
فكرةُ الخلقِ ذاتَ وحيٍ تجلَّتْ
لكَ كالطيرِ فالغصونُ انتشاءُ
يا لَدعواكَ عمَّتِ الكونَ إنْساً
والجماداتُ كلُّها إصغاءُ
قد عرفناهُ صادقاً وأميناً
رُبَّ فضلٍ شهودُهُ الأعداءُ
ليسَ دعواكَ مثلَ نارِ هشيمٍ
بل كمخنوقٍ قد أتاهُ الهواءُ
مكّةُ الآنَ تزدهي بنبيٍّ
كلُّ بيتٍ من ذكرِهِ سيُضاءُ
لا تقولوا ذي فتنةٌ بينَ قومٍ
بل فقولوا شريعةٌ سمحاءُ
قبلَ غزوِ السيوفِ يغزو بقولٍ
يدخلُ القلبَ فالقلوبُ صفاءُ
كلُّ نخلٍ في الأرضِ قد ودَّ لمّا
شِدْتَ بيتاً يكونُ منهُ البناءُ
حينَ تمشي كلُّ الجهاتِ تناديـ..
كَ لكي تنمو فوقَها الأفياءُ
حينَ غادرتَ مكّةً ذاتَ حزنٍ
ودَّعتْكَ الشِّعابُ والأنواءُ
كنتَ تدري أنْ سوفَ ترجِعُ فيها
تاجُكَ الدينُ في يديكَ القضاءُ
يا دليلَ الصحراءِ قد تاهَ قلبي
ذاكَ تيهٌ يكونُ منهُ الجلاءُ
يا دليلَ الصحراءِ ما ليَ أُسقى
ثُمَّ أُسقى ولا يكونُ ارتواءُ
يثربُ الآنَ تشرئبُّ اشتياقاً
بشِّرونا يا أيُّها الرُّقَباءُ
لا تقولوا لنا سرابٌ كَذوبٌ
فهْوَ إنْ بانَ ليسَ فيهِ افتراءُ
عندما لُحْتَ من بعيدٍ إليهم
ركضَتْ نحوَكَ الذُّرى والفضاءُ
سمِعَتْ عنكَ بذرةٌ في ترابٍ
فاستطالَتْ وطابَ ذاكَ اللقاءُ
يثربُ الآنَ تزدهي وتغنّي
طلعَ البدرُ عندَنا والسناءُ
ثُمَّ تمضي الأعوامُ والحقُّ يعلو
رايةُ الدينِ كُفْؤُها الأُمَناءُ
عندما قُمْتَ في الوداعِ خطيباً
ذرفَ الدمعَ مِنبرٌ ورداءُ
يا رسولي إليكَ أسعى وخلفي
أمّةٌ نصفُ أهلِها شُهداءُ
جئتُ أسعى من أرضِ ذي النونِ عندي
من حكايا لها يشيبُ اللِّحاءُ
أكلوا العشبَ ذاتَ جوعٍ وحربٍ
ثُمَّ ماتوا كأنّهم غرباءُ
يا رسولي قد حمَّلَتْني سلاماً
نينوى والمنارةُ الحدباءُ
فعسى أن أراكَ طيفاً بحُلْمٍ
نظرةٌ تكفي كي يزولَ العَماءُ
وعليكَ الصلاةُ ما دقَّ قلبي
وتغنَّتْ في عُشِّها الورقاءُ
