أزهار البيبون تملأ الخسفة
أزهار البيبون تملأ الخسفة: إلى شهداء حفرة الخسفة في الموصل
كفُوَّهةِ البركانِ مسعورةَ اللهبْ
رَمَوا فوقَها الطفلَ الرضيعَ كما الحطبْ
رمَوا فوقَها الأشياخَ والعُمْيَ والنِّسا
ولم تسلَمِ الأطيارُ والنملُ والعِنَبْ
رَمَوا فوقَها حتّى المنارةَ فاستوَتْ
حجارتُها روحاً تئنُّ معَ الخشبْ
كثقبٍ زمانيٍّ وقد دخلوا بهِ
فصاروا بجنّاتٍ وما مسَّهَم نَصَبْ
هنا نينوى أحفادُ ذي النونِ علّموا
بصبرِهِمُ صُمَّ الجبالِ إذا اضطرَبْ
لهم زهرةُ البيبونِ رمزُ سلامِهم
إذا لوّحَ الأعرابُ بالسيفِ والغضبْ
على عُودِ عُثمانٍ وزِرْيابَ دندنوا
وقد أسكروا حتى الجمادَ منَ الطرَبْ
لقد خُذِلوا من أقربِ الناسِ منهُمُ
كراعٍ أتى بالذئبِ للشاةِ واحتجَبْ
يُعيِّرُنا بالبخلِ مَنْ هوَ جاهلٌ
أباهُ فلا يدري لأيٍّ قَدِ انتسَبْ
ونحنُ كرامٌ في المجاعةِ عندَنا
قسمْنا رغيفَ الخبزِ للطيرِ والرُّطَبْ
نزحْنا وجرَّبْنا المكارِمَ عندَهم
فباعوا لنا حتّى الهواءَ على سغَبْ
هنا المَوصِلُ الحدباءُ تاجُ عراقِنا
ومنها ابتدا التاريخُ في لوحِها انكتَبْ
كطفلٍ هوَ الفصلُ الربيعُ وقد رأى
بمَوْصِلِنا ما يشتهيهِ منَ اللُّعَبْ
وكانَ يتيماً دونَ أمٍّ ولا أبٍ
فصارَتْ لهُ الحدباءُ أُمّاً وخيرَ أبْ
ألا إنّما الفصلُ الربيعُ كيوسفٍ
وإخوتُهُ صيفٌ شتاءٌ وذو ذهَبْ
فكادوا بهِ ألقَوهُ في الجبِّ خائفاً
فمرّتْ بهِ الحدباءُ صاحَتْ: أيَا عجَبْ!
أهذا غلامٌ؟! ثُمَّ ألقَتْ بِدَلْوِها
فكانَ ربيعاً في شوارعِها انسكَبْ
فلا تحسَبوا أنّ المنارةَ عندَنا
بناءٌ من الأحجارِ والطينِ وانتصَبْ
ولكنّها من باطنِ الأرضِ أُخْرِجَتْ
كما تَخرُجُ الأزهارُ صمتاً بلا صخبْ
ومالَتْ ولم يدروا لذلكَ علّةً
فقلتُ: اتركوها لا تُطيلوا بها الخُطَبْ
كثيرٌ منَ الأشياءِ سِرُّ جمالِها
بأنْ هكذا تبقى كلغزٍ بلا سببْ
