أطل غيابا
لا أنتَ مُفتقِدٌ لا أنتَ مُفتقَدُ
أطِلْ غياباً فكلُّ الناسِ لا أحَدُ
إنْ ماتَ طيرٌ فما للناسِ من خبرٍ
لكنْ تُؤَبِّنُهُ الأشجارُ لا البلدُ
وعازفُ العودِ بالألحانِ مُنْفَرِدَاً
ما ضرَّهُ قطُّ أنّ العَزْفَ مُنْفَرِدُ
مجدُ السفينةِ للقُبْطَانِ حينَ رَسَتْ
أمّا الفَنَارُ فيُنسى أنّهُ السَّنَدُ
مُفارِقٌ أنتَ مهما رُمْتَ وصلَهُمُ
وجازعٌ أنتَ مهما قيلَ: مُتَّئِدُ
وقابضٌ جمرةً من فيضِ عاطفةٍ
ويَحْسَبونَك بالنّعماءِ تَبترِدُ
من فرطِ ما لوّحَتْ عندَ الوداعِ يدٌ
تكادُ تَرْكُضُ خلفَ الراحلينَ يدُ
لو قيلَ: دربانِ، فاخترْ واحداً لغدٍ
شَقَقْتَ ثالثَ دربٍ عندما رقدوا
وإنْ هَمَمْتَ بأمرٍ ما استشرْتَ وهل
سِوى على نفسِهِ الضِّرغامُ يَعتَمِدُ
وفيكَ مِنْ كَرَمِ الْمِرْآةِ أنْ نسيَتْ
بأنْ ترى نفسَها والكلُّ قَدْ وفَدُوا
وفيكَ من طَبْعِ نَبْتِ الغارِ أنَّ بهِ
مِسْكاً يفوحُ ولو خانوا الذي عهدوا
طفولةٌ مثلَ قوسِ الماءِ زائلةٌ
والعمرُ سهمٌ وعنها ظلَّ يَبْتَعِدُ
والحَرْبُ أقبَحُ وَجْهٍ سَوْفَ يُظْهِرُهُ
مَنْ بالسَّلامِ على أوطانِنا يَعِدُ
فكَيفَ نَبني عِرَاقاً واحِداً أحَدَاً
وأَلْفُ رَبٍّ لَنا في البَيْتِ قَدْ عُبِدُوا
وكيفَ أقنعُهم بالشمسِ مُشرِقةً
وغيرَ هذا الظلامِ المَحْضِ ما وجدوا
مُحَاوِلاً فَتْحَ بابِ العَقْلِ في وَطَنٍ
لَهُ من الجهلِ والأوهامِ مُعتقَدُ
لذا تَوَارَيْتُ كالأنهارِ حينَ رأَتْ
أنَّ المديحَ جميعاً نالَهُ الزبَدُ
