

جيوفاني باسكولي
ولد الشاعر جيوفاني باسكولي سنة 1855 مسيحي في مدينة سان ماورو دي رومانيا (تسمى اليوم سان ماورو دي باسكولي) تيمناً بإسمه، يعد من ابرز الشعراء الرومانتيكيين الطليان في القرن التاسع عشر، توفي في مدينة بولونيا 1912. شغل منصب أستاذاً للأدب الإيطالي في جامعة بولونيا، وكان مقترناً جداً بعائلته، أمه و أختيه، نظراً لوفاة والده الذي مات مقتولاً دون معرفة قاتله، حين كان الشاعر لايزال في صباه، ولم ييتزوج إطلاقاً ً لهذا السبب تحديداً، كتب قصية في وفاة والده، وعنونها، بـ العاشر من أغسطس، وعاش حياته كاملة مع ذكرى الموت، أحب في صباه فتاة من الريف وجدها بالصدفة جالسة امام بيتها تحيك، إنقطع عن بلدته لمدة ثلاثون عاماً، وعند رجوعه مر بنفس الطريق الذي يؤدي إلى ذالك المنزل، أستحضر صورتها في مخيلته، فوجدها وقد أصبحت إمرأة، جالسة في نفس المكان، تحيك بنفس الطريقة، على الرغم من سماعه بخبر وفاتها. فأنشد قصيدته، التي سماها الحائكة [1]
شِعر باسكولي ينحو إلى ذلك التيار المعقد الذي أثر في عصره على الثقافة والفن، وهو ما عرف في أوروبا، وفي إيطاليا على وجه الخصوص، بـ تيار السقوطية، المهتم بالإفراط في إبراز الشكل الجمالي، غير أن باسكولي، كان محسوباً على هذا التيار، كما يراه النقاد، نظراً لإنجذابه لذالك النوع من الشعر الغنائي، (ليريكا) المكون من مقاطع قصيرة سريعة تحتوي على الومضات الشعرية، وهو بهذا إنما أراد الإنسحاب والإنطواء بألم داخل ذاته، ميلاً منه لإثارة الأحاسيس برهافة موحية بعذوبة عواطفه، ومن هنا فإن باسكولي يختلف بشكل واضح عن بعض الشعراء المنتمين لهذا التيار، أولئك الميالين لإطلاق الأحاسيس في الإنتشاء بالنماذج الفاسدة والمريضة من الشعر حد النزق والظلال.
وكان باسكولي أكد على شاعريته تلك في مجموعته الشعرية "ما يريكايا"، من خلال رسمه المترجم في شخصية "صبي" بمعنى أن الشاعر إنما أراد بذلك إضهار ذاته متمثلة في ذالك الصبي الذي يفتح عيناه على الحياة، ويتلمس كل شىء حوله بغرابة، حينما يتعرف على الأشياء الجديدة التي تحيط به في طبيعتها الخلاّبة المدهشة، فيعجب بها إلى حد الأفتتان، لذا فالقصيدة الباسكولية، بإتجاهها وإنغماسها في إثارة الحس الطبيعي، تخلق عالماً جديدأً بالكامل، وتخلق فوق كل ذالك، لغة جديدة، شعرية، نفسية، ونادرة، وهى عند هذا الحد سوف تمتلك تأثيراً كبيراً على الشعر الإيطالي في القرن العشرين: سواءً في المصطلحات التقنية، أو في الكلمات القديمة المهجورة والشعبية [2]
العاشر من أغسطس [3]
سان لورينسو، أنا أعرفلماذا الكثير من النجومفي سكون الظلام تحترقثم تنتثرْ..لماذا الدمع الهاطلينهمرْ..؟من صفحة السماء التيأشاحت بوجههالفرط ما اغضبتهاشرور البشروفيما سنونوة عائدة الى عشهاقتلوها،فتهاوت بين الشوكالمخضب بدمائهالقد كانفي منقارها حشرةعشاءَ صغارها!والآن ، هي هناك، كمن في الصلب، تجنحللحشرة، وذاك الفضاء البعيدْوصغارها الجوعىفي العش الظليلينتظرونها،
تئن بأغنياتها الطفولية البطيئة
وكذا عاد انسان الى عشهاغتالته المنية، بيد غادرةدونما عذر؛وفي عينيه الفاغرتين بقايا صراخ لا يصل..يحمل دميتين هديهْ.!موعده في تلك الساعة،هناك، في البيت المهجورانتظروه..انتظروه بلا جدوىفيما أعتلى محياه صمت القبور،يشير بأصبعهالى الدميتين في السماء البعيدة!فيا أنتِ يا سماء ،يا عليّة العوالم الجلية،اللامتناهية، والخالدةيا للدمع حين تسفحه النجوم السخية،على مثقال ذرة من الشر.... حاقدة
أماني وذكريات
زوارق صيد صغيرةفي أعالي البحاربيضاء، بيضاء،كنت أراها تختلجكأنها التعب:يا أيتها الأمنيات،أجنحة من أحلاملأجل البحر !أستدير بعيناي،وأمن بالله في الما وراءومن جديد أرىزوارق صيد صغيرةتحت الأشرعةسوداء سوداء،يا ذكريات،ظلال من أحلامبحق السماء .
الحائكة
جلستُ على ذلك المقعد الخشبيكمثل ذات مرة،من كم سنة خلت...؟وهي كمثل تلك المرة،مسكونة بالمقعدجالسة هناكوليس بفعل الكلام كان صدى النغم؛بل بفعل الإبتسامة المليئة رحمة ،تركت يداها الفاتنتين لفافة النسيج.بكيتُ، وقلت لها: كيف إستطعتُ،يا أعذب من رأيت،أن أتركك و أعانق الرحيل...؟بكت، وأجابت بلمحة صامتة:كيف إستطعتَ؟تأوّهَتْ بحرقة،ومن وسط الصمت سَحبتْمشبك الخيط ، من الخزنة،بدلت بكرة الخيط مررته في ثقب الإبرةفإرتجع كمن لا يريد العبور.خنقني البكاءْ، وسألتها:ما بالها صماء لا تحيك ما بالها؟تطلعتْ إليّ، فيما إعتلى محيّاها الحياء،والطيبة والبهاء:أوتسأل مابالها ....؟بكتْ وبكتْ،وبكى الحنين على الجبين بصمت،أولم يقولون لك؟... ها أنت لاتدريبأنني مت من سنينلكنني أحيا بذكراك وأحيا بداخلكأنا ميتة نعم، أنا ميتة!وإذا ما أحيك الآنأحيك من أجلك أنت،كيف ذلك، لا أستطيع أن أقول لك؛في هذا النسيج الخفيف،تحت صنوبرات المقابروأنت أيها العابر أمام النهايةعليك أن تعرف أنني الآنلست هنا،لكنني فقط ، أنام في عينيك، وأعيش بداخلك.
الرفسة
عدْو فرسِ مسموعٌ من بعيد( أهو هناك...؟ )؛مُكِرٍ مُفِرٍ في السهلبسرعةٍ مضطربةمدى صحاري لا متناهٍ؛فسيحٌ تماماً، خالٍ تماماً، سواءْ:بعض ظلالٍ لطائرٍ ضائعيتزحلق فوق السِهام:لا شئ آخر. هم يهربونمن ماضٍ قديمٍ خرِبلكن اين وحيثما يكون هو،لا يعرف لا الارض ولا السماءعَدْوُ فرسٍ، مسموعٍ من بعيدأكثرُ وقعاًمُكِرٍ مُفِرٍ على السهول:الموت! الموت! الموت!