الرسالة السابعة
كانت أيام كريم تتسرب كخيوط ضوء باهت تتشابك ثم تتبدد بلا أثر. الساعة السابعة مساءً، والهاتف موضوع على الطاولة، شاشته الصغيرة تلمع برموز غريبة، تتكرر يوميًا بلا رابط واضح، بلا تفسير. لم يعد يسأل عن السبب؛ الأسئلة تنهار في رأسه مثل رماد يتطاير في الهواء.
هل هو داخل الزمن أم خارجه؟ هل بدأت اللحظة حين رفع الهاتف، أم حين توقفت عيناه على الشاشة التي تعكس إشارات مشوشة لكل شيء؟ كل شيء بدا خارج مكانه. لم يكن يعرف أين تبدأ الأمور وأين تنتهي.
ثم تذكر الرسالة السابعة. لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل شعورًا بالغياب، بالخوف، بالغموض الذي يسبق كل شيء. حين قرأها، شعر بأن شيئًا ما قد تغير داخله، أن لحظة ما لم تعد مجرد لحظة، بل بوابة إلى فراغ متسع.
جمال كان يمشي في الحي، يضحك، ثم اختفى. ليس بالاختفاء المألوف، بل كفكرة هاربة، كظل يذوب في الهواء، لا يترك أثرًا، يعرفه فقط من اختفى بالفعل. الكلمات على الشاشة لم تتحدث عن جمال، ولم تحمل أي دلالة محددة، كانت إعلانًا لفوضى مقبلة، تلميحًا بأن كل شيء قابل للاختفاء، وكأن الهاتف يهمس له بصمت: "كل شيء سيمضي."
لكن ماذا يعني هذا الغياب؟ هل حدث في الماضي أم ينتظر المستقبل؟ هل بدأ الاختفاء بعد ازدحام الحروف أم قبله؟ هل اختار الغياب أم خطفه الزمن؟
الماضي لم يعد ملاذًا، والمستقبل لا يعد بأي ضمان. الحاضر متذبذب في ذهنه، يظهر ويختفي قبل أن يتمكن من الإمساك به. الآن موجود، لكنه لم يكن بالأمس، ولن يكون غدًا.
جمال اختفى، لكن هل كان اختفاءً محسوسًا؟ حركة جسدية أم أثر غامض مثل رائحة تتلاشى أو صوت يترك فراغًا؟
محاولاته لفهم الرموز غاصت به أكثر في الضباب، لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا: أنه دخل مرحلة جديدة، مرحلة يُقاس فيها الزمن بالغياب، لا بالأيام.
الحي أصبح غريبًا في عينيه، الأشياء بلا أسماء، الواقع ممزوج بالهواجس، والزمن لم يعد لحظة واحدة، بل هو اللحظة التي تسبق الاختفاء. الهاتف صامت، كريم صامت، الغرفة مظلمة، وكل شيء صار جزءًا من نفس السياق الغامض.
الرسالة السابعة لم تكن عن الماضي، ولا المستقبل، ولم تكن عن أي شيء محدد. كانت دعوة لفهم أن الزمن لا ينحني، بل يتشظى، ويتفرع، ويعيد تشكيل نفسه في لحظات لا تُسجل. كل ما حدث بعدها لم يكن إلا امتدادًا لذلك الفراغ العميق.
كريم لم يعد يثق بما يتحرك أمامه. ربما كان جمال موجودًا، وربما اختفى منذ البداية. التحذير الوحيد كان واضحًا: كل شيء سيمضي إلى نقطة غير مرئية.
الهاتف صامت، كريم صامت، الحي صامت، الأشياء صامتة، والكلمات معلقة في الهواء. لا أحد يعرف أين تبدأ القصة، ولا أين تنتهي.
