الثلاثاء ٧ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

السرد والسارد والكتابة عن الحرب

لا يدخل السارد الحرب بوصفه شاهداً محايداً، بل كعينٍ تتكفّل بالرؤية، ككائنٍ يلتقط الشظايا بدلاً من أن يحصيها، أو يعيد ترتيبها داخل معنى قابل للانكسار. فالحرب، في وعي كاتب القصة والرواية، ليست حدثاً خارجياً مكتفياً بذاته، لكنها تُعدّ مادة أوليّة تُعاد صياغتها عبر اللغة، حيث تتحوّل الوقائع إلى احتمالات، والدم إلى استعارة، والصوت إلى صدى يتجاوز مصدره.

السارد يكتب الحرب كما تتسرّب إلى الداخل؛ من العصب إلى الذاكرة، إلى تلك المساحات التي لا تُقاس بعدد القتلى أو الجرحى، بل بكمّ الفراغ الذي يخلّفه الغياب. إنه يعيد تعريف البطولة، فيجرّدها من صخبها، ويضعها في زاويةٍ التأويل، فنرى المقاتل ليس إلا إنساناً يحاول النجاة، وقد تكون الهزيمة شكلاً آخر من أشكال الفهم.

في السرد، تصبح الحرب اختباراً للغة نفسها. كيف يمكن للكلمات أن تحتوي ما يفوقها؟ كيف يمكن للجملة أن تلتقط لحظة انفجار دون أن تنفجر هي الأخرى؟ هنا يشتغل السارد على الحافة، بين القول والعجز عنه، بين الإفصاح والتورية، فيخلق نصاً لا يختصر الحرب بقدر ما يلمّح إليها، ويتركها تتسرّب من بين الأسطر كظلٍّ لا يُرى إلا حين نلتفت بعيداً عنه، وكأنه يحاول أخذ المتلقي إلى تصوّر تلك الحرب وتخيّلها.

كذلك لا يهتم بالتتابع أو التسلسل الزمني كما يفعل المؤرّخ، بل يعيد ترتيب الزمن وفق رؤية سردية خاصة. قد تبدأ الحرب من وسط أحداثها أو نهايتها، أو من تفصيلٍ صغيرٍ هامشي لا يجد قيمته إلا في السرد؛ كأن ينطلق من كوب شاي بارد، أو رسالة لم تُرسل، أو نافذة تُفتح على شارع خالٍ خارج مدار الحرب، ثم يدخل بتداعياتها. هذه التفاصيل، التي تبدو عابرة، هي ما يمنح الحرب بعدها الإنساني، ويحرّرها من تجريدها القاسي.

إن نظرة السارد إلى الحرب، في جوهرها، ليست بحثاً عن حقيقة واحدة، بل عن تعدّد الحقائق. فكل شخصية تحمل حربها الخاصة، وكل زاوية رؤية تكشف وجهاً مختلفاً للكارثة. وهنا يتحوّل النص إلى مساحة للاختلاف، حيث لا صوت يعلو على آخر، بل تتجاور الأصوات، وتتقاطع، وتتباين، لتشكّل في النهاية لوحة غير مكتملة، لكنها أكثر صدقاً.

السارد، إذن، لا يقدّم إجابات، بل يفتح جروح الأسئلة. لا يبرّر ولا يدين بشكل مباشر، بل يضع القارئ في قلب التجربة، حيث عليه أن يرى وأن يشعر وأن يقرّر. فالحرب، في السرد، لا تختص بما حدث فقط، بل بما يحدث داخل القارئ، وهو يعيد بناءها بطريقته الخاصة.

وهكذا، تصبح الكتابة عن الحرب فعلاً مضاداً لها؛ ليس لأنها تُنهيها، بل لأنها تكشف هشاشتها، وتعيدها إلى حجمها البشري، بعد أن حاولت أن تتضخّم إلى قدر مطلق. في رؤية السارد، تظلّ الحرب سؤالاً مفتوحاً.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى