السبت ٤ نيسان (أبريل) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

عزلة المثقف

تطلّ الثقافة في جوهرها كالهواء الذي يتنفسه الجميع، فعل حياةٍ يومي لا يستأذن أحداً ليدخل البيوت والعقول، غير أن المشهد الراهن بات يشي بانحسار مريب، حيث تحولت المعرفة من فضاء مشاع إلى "غرف مغلقة" تسكنها شخصيات محدودة. إننا نعيش اليوم حالة من التباعد بين الفكر والواقع، حيث استبدل المثقف دوره كمنارة تضيء الدروب، بدور الحارس الذي يقف على بوابات المعرفة، يمنح صكوك العبور لمن يشاء ويمنعها عمن يشاء، مما جعل الثقافة تبدو كأنها لغز غامض لا يفك رموزه إلا فئة قليلة اصطفت نفسها فوق المجتمع.

لقد تراجع المفهوم الشامل للثقافة الذي يلمس الفن والأدب وطريقة التعامل اليومية، لينحصر في صورة ذهنية مشوهة تربط الوعي بأسماء بعينها. هؤلاء الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على العقل، مارست لغتهم نوعاً من الترفع غير المقصود، فبنت جدرانًا من الكلمات المتعالية التي لا تهدف للتقريب بقدر ما تهدف لترسيخ الهوة بين "النخبة" و"الناس". وفي هذا المناخ، لم يعد البحث عن الحقيقة هو المحرك الأساسي، بل أصبح التمسك بمركزية الحضور هو الغاية، حتى غدت الساحة الثقافية تشبه الجزر المعزولة التي يمنع دخولها إلا لمن يتقن لغة أصحابها ويتبنى آراءهم دون نقاش.

والمثير للتأمل في هذا الانحسار هو نشوء حالة من "القدسية المزيفة" حول بعض الشخوص، حيث يتم التعامل مع آرائهم كأنها نصوص قاطعة لا تقبل التأويل. هذا التقديس لم يحرم المجتمع من نقد الفكرة فحسب، بل أدى إلى تجريف الميادين من الوجوه الجديدة والشابة التي تمتلك رؤى طازجة لكنها لا تملك مفاتيح الدخول إلى ذلك النادي المغلق. لقد أصبح المشهد الثقافي يدور في حلقة مفرغة، تعيد إنتاج الوجوه ذاتها والأفكار ذاتها، مما أصاب الروح العامة بالركود، وجعل الحوار الثقافي يبدو كأنه "مونولوج" طويل يلقيه شخص واحد أمام مرآته، بدلاً من أن يكون حواراً حياً يضج بتعدد الأصوات واختلاف المشارب.

علاوة على ذلك، أدى ارتهان الثقافة لأسماء محدودة إلى غياب "المثقف العضوي" الذي يشتبك مع هموم الناس البسيطة وأوجاعهم المنسية. فالمثقف الذي حصر نفسه في إطار النخبوية، بات يكتب ليرضي زملاءه في النادي الثقافي لا ليرتقي بوعي جاره أو العامل في مصنعه، مما خلق فجوة شعورية هائلة. هذا الانفصال جعل المجتمع ينظر إلى الثقافة بوصفها "ترفاً ذهنيًا" لا يسمن ولا يغني من جوع، ومع مرور الوقت، تلاشت الثقة في قدرة الكلمة على التغيير، لأن الكلمة بقيت حبيسة الصالونات الأنيقة ولم تجرؤ على النزول إلى الشارع لتتحدث بلغة الناس وتشاركهم أحلامهم في الخبز والحرية.

وتتجلى مرارة هذا الانحصار في تحول الثقافة إلى "زينة اجتماعية" أو رداء يرتديه البعض للتميز الطبقي فقط، دون أن يكون لها أثر حقيقي في تطوير الوجدان الجمعي. فالمثقف المنكفئ على ذاته بات يرى في جهل الآخرين شرطاً ضرورياً لإثبات علمه، وبدلاً من أن يمد يده ليرفع سوية الوعي، نراه يخشى من بساطة المعرفة لأن في بساطتها فقداناً لتميزه وتفرده. ومن هنا، نشأت حالة من الاغتراب، حيث شعر الإنسان العادي بأن الثقافة "ليست له"، وأنها شأن معقد يخص فئة مترفة تعيش في أبراج عاجية، مما دفعه للارتماء في أحضان المحتوى السطحي الذي يملأ الفراغ الذي تركه المثقف المعتزل.

ومع هذا الواقع المتأزم، تُطرح ضرورة إعادة تعريف علاقة المثقف بفضائه الاجتماعي، إذ لم يعد كافياً أن يكتفي بدوره التقليدي كمفسّر للعالم من مسافة آمنة. إنّ اللحظة الراهنة تستدعي مثقفاً يعيد اكتشاف نفسه في الشارع والمدرسة والمقهى والساحة العامة، لا بوصفه مُلقّناً، بل شريكاً في بناء وعي جمعي يتجاوز الاستعلاء ويقوّض فكرة الاحتكار الرمزي للمعرفة. فالثقافة، حين تستعيد وظيفتها الأولى كجسرٍ بين التجربة اليومية والرؤية العميقة، تتحول إلى قوة حية قادرة على تحريك الساكن، وتحرير الإنسان من شعوره بالدونية أمام الخطاب المتعالي. وما لم يخرج المثقف من شرنقته الضيقة ليصغي بصدق إلى نبض الناس وأسئلتهم المعلّقة، ستظل الثقافة دائرة مغلقة تدور حول ذاتها، فيما يبقى المجتمع متعطشاً لفكرة واحدة صادقة تهزّ سكونه وتمنحه سبباً جديداً للإيمان بقيمة المعرفة.

إن هذا الانكفاء يقتل روح التعددية، فالثقافة التي لا تتنفس برئة الشعب هي ثقافة محنطة لا حياة فيها. وحين تنحصر المعرفة في وجوه معدودة، يصاب المجتمع بفقر في الخيال وضعف في القدرة على التغيير، لأننا عندها ننتظر "فتات الفكر" من أشخاص احتكروا حق التحدث باسم الجمال والوعي. إن كسر هذا الحصار يبدأ من الإيمان بأن الثقافة هي فعل تحرر مشترك، وأن دور أصحاب الفكر ليس الوصاية على العقول بل إضاءة الطريق أمامها، فالمعرفة الحقيقية هي تلك التي تخفض جناحها للناس لتطير بهم جميعاً نحو آفاق أرحب، بعيداً عن ضيق العزلة وعتمة الغرف المغلقة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى