الأربعاء ١٣ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

ملاذ الظلال

(1)

بين جدران تلك البيوت التي اصطبغت بلون الكبريت والملح، كانت الحياة تسير بإيقاعٍ يشبه رفيف أجنحة الحمام فوق الأسطح، في قريةٍ تُعرف باسم "ملاذ الظلال"؛ حيث الشمس قاسيةٌ بما يكفي لتجعل الظل أغلى من الذهب، وحيث الألوان ليست مجرد طلاء، بل هي أنفاس الأرض الممتدة في أرجائها، لا يدرك كنهها إلا من غرس قدميه في طميها.

في ذلك الصباح الذي صبغه الأفق بألوانٍ رمادية باردة، وقفت "زهرة" عند عتبة بيتها ذي الباب الأزرق السماوي، مرتديةً عباءتها السوداء التي ابتلعت كل الضوء حولها. كانت تنظر إلى شجرتي الصفصاف الباسقتين في الأفق وهما تتبادلان أسرار الريح، وقالت وهي تعدل من وضع جرتها لمن يسير بجانبها: "ألم يحن الوقت يا أبا القاسم لترميم جدار البيت الغربي؟ الريح باتت تنفذ من شقوق الطوب كما ينفذ الشك في القلب، والليل في بيتنا صار له صوتٌ يشبه أنين الراحلين".

خرج "أبو القاسم" من عتمة الرواق، لافاً جسده بثوبٍ أبيض حمل غبار الطرقات البعيدة، وقف يستند إلى جدارٍ مائلٍ مسحورٍ باللون الأخضر، ورد بصوتٍ رخيم: "يا زهرة، البيوت في هذه الأرض لا تشيخ، إنها فقط تتنفس. والشروخ التي ترينها ليست إلا أفواهاً تحكي قصص من سكنوا هنا قبلنا. هل تريدين أن أخرس صوت الحكايات بملعقة من الجير؟". ردت زهرة بحدة طفيفة: "الحكايات لا تطعم صغارنا، والبرد في الشتاء لا يحترم التاريخ. انظر إلى بيت ’أم السعد’ الملاصق لنا، صار لونه باهتاً كأنه يستعد للرحيل هو الآخر".

في تلك اللحظة، ظهرت من خلفهم "العجوز حليمة"، كانت تمشي ببطء وتجر خلفها ذيل ثوبها الذي اختلط بلون التراب. توقفت حليمة، وأشارت بعكازها نحو بقع الضوء الأخضر المتناثرة في الساحة وقالت: "لا تتجادلا على الجدران.. انظرا إلى الأرض، هل رأيتما هذا الاخضرار الذي نبت فجأة؟ يقولون إن الأرض تلون نفسها حين تشعر أن غرباء سيطرقون باب القرية". تساءل أبو القاسم باهتمام: "غرباء؟ ومن أين يأتيهم الطريق يا خالة حليمة؟ نحن هنا في منقطع العالم". ضحكت حليمة بصوتٍ مبحوح: "الطريق يولد تحت أقدام من يريد الوصول. لقد رأيتُ ’فارساً’ الصغير بالأمس يقف عند حدود أشجار الصفصاف، كان ينظر إلى جهة التل الأحمر بعينين لا تشبهان عيوننا.. عيناه كانتا تسافران قبل قدميه".

لم ينتهِ عالمهم عند حدود تلك الساحة؛ فخلف البيوت المتراصة كانت تمتد مساحات من المزارع التي تفوح برائحة الطمي المبلل، وهناك كان "فارس"، الشاب الذي ارتدى عباءته الزرقاء ليتماهى مع لون السماء، يراقب زهرة من بعيد، لكن قلبه كان معلقاً بما وراء الأفق. اقترب فارس من "أبو القاسم" وقال بصوتٍ يحمل قلق الشباب: "عمي، يقولون إن خلف هذا الضباب الذي يلف الصفصاف مدناً لا تنام، مدناً لا تسكنها الأشباح ولا تئن فيها البيوت.. هل هذا صحيح؟". نظر إليه أبو القاسم طويلاً، ثم وضع يده على كتفه: "المدن التي لا تنام يا بني، هي مدنٌ فقدت قدرتها على الحلم. نحن هنا ننام لنحلم، ونستيقظ لنرى أحلامنا مرسومة على الجدران. اذهب إلى التل، واسأل الشيخ منصور، فهو الوحيد الذي عاد من هناك بجسدٍ متعب".

مضى فارس صعوداً نحو "التل الأحمر" الكامن خلف الأشجار الكثيفة، تاركاً وراءه صخب النسوة عند الآبار وهسيس الريح في أغصان الصفصاف. كانت الأرض تحت قدميه تتغير، من طينٍ مشبع بالماء إلى تربةٍ حمراء خشنة، وهناك، عند حافة الغياب، انسكب المدى عن نهرٍ متعرج يربط القرى كعرقٍ من الفيروز. وجد الشيخ "منصور" جالساً، يحدق في البعيد كأنه ينتظر شيئاً لن يجيء. بادر فارس بالسؤال: "يا شيخ، هل تنتهي هذه الطريق عند حدود الجبل؟ أم أنها تبتلع كل من سار فيها؟". لم يلتفت الشيخ منصور، بل ظل بصره معلقاً بالأفق الضبابي وقال: "الطريق يا بني لا تنتهي، نحن الذين نتبخر في منتصفها. خلف هذا الجبل مدنٌ مبنية من الرخام الصامت، لا تعرف طعم هذا الطين، لكن أهلها يملكون ذهباً ولا يملكون شمساً كشمسنا. إنهم يحلمون كل ليلة بنسمة هواء تمر عبر صفصافتيكما في الملاذ، نسمة تحمل رائحة الخبز الذي تخبزه زهرة، ورائحة الصبر الذي يتنفسه أبو القاسم".

سكت الشيخ قليلاً ثم التفت إلى فارس بعينين غائرتين: "أتريد الرحيل يا فارس؟ انظر خلفك.. انظر إلى القرية من هنا". التفت فارس، فرأى البيوت تبدو كألعابٍ صغيرة ملونة، ورأى النساء كأطيافٍ سوداء وزرقاء تتحرك بوقار فوق بساطٍ من الأخضر الساحر. قال فارس: "أخشى أن أرحل فتتغير الألوان، وأعود فلا أجد مكاني هنا". أجاب الشيخ: "المكان لا يتغير، لكن الريشة التي ترسمنا مستقبلاً هي التي تكلّ.. انزل الآن، فالغسق يقترب، وقافلة الغرباء التي تنبأت بها حليمة، بدأت طلائع غبارها تلوح في الأفق".

نزل فارس مهرولاً، وقلبه يدق مع كل ضربة قدم على الأرض، بينما كانت زهرة لا تزال واقفة عند بابها، تراقب أول خيط من الظلام وهو يلف شجرتي الصفصاف، مدركةً أن هذه الليلة لن تشبه سابقاتها، وأن "ملاذ الظلال" على وشك أن يفقد صمته المعهود.

(2)

كان الغسق في "ملاذ الظلال" طقساً يمتزج فيه الخوف بالرجاء. ومع تزايد سحب الغبار التي رآها "فارس" من فوق التل، بدأت القرية تستعد لاستقبال المجهول. كانت النسوة اللواتي يجلسن في حلقاتٍ ضيقة قد كففن عن الثرثرة، وانشغلن بتغطية رؤوسهن بمزيدٍ من التحوط، وكأن تلك العباءات السوداء هي الدروع الوحيدة التي يملكنها ضد تقلبات القدر.

في تلك اللحظة، دخلت القافلة. لم تكن خيولاً ولا جمالاً، بل كانت مجموعةً من الغرباء يمشون ببطء، يحملون آلاتٍ موسيقية غريبة الأشكال، ولفافاتٍ من القماش الملون. كان يتقدمهم رجلٌ هزيل يرتدي سترةً مطرزةً بخيوطٍ من النحاس، يُدعى "الريّس هيمان". توقف هيمان في وسط الساحة الخضراء، حيث تلتقي ظلال البيوت، ونظر إلى شجرتي الصفصاف الباسقتين ثم قال بصوتٍ أجش: "هنا.. هنا يسكن الضوء الذي هرب من مدن الرخام".

خرجت "زهرة" من خلف بابها الأزرق، وتقدمت بخطواتٍ حذرة، بينما كان "أبو القاسم" يقف خلفها كجدارٍ صلب. سألت زهرة بفضولٍ لم تستطع كبته: "من أنتم؟ وما الذي جاء بكم إلى أرضٍ لا تملك غير الطين والظلال؟". ابتسم الريّس هيمان، وأشار إلى آلاتهم: "نحن صائدو الصدى يا ابنة الأكرمين. جئنا نشتري منكم سكونكم ببعض الضجيج المقدس. لقد قطعنا الجبال لأننا سمعنا أن في هذه القرية لوناً للأرض لا يوجد في غيرها؛ أخضر يفيض بالزرقة، وبيوتٌ تحضن بعضها كأنها تخشى الفراق".

في تلك الليلة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ نصب الغرباء مشاعلهم، وبدأت أوتارهم تعزف ألحاناً لم تألفها أذن الصفصاف، فتحولت الساحة الهادئة إلى فضاءٍ ملحمي. أما "فارس"، الذي كان يخشى ضياع مكانه في اللوحة، فقد وجد نفسه ينجذب نحو وسط الحلقة. تقدمت "العجوز حليمة" وهي تصفق بكفيها المتجعدتين، وقالت بصوتٍ عالٍ: "ارقصوا يا أبناء الملاذ.. ففي هذه الليلة فقط، سيسمح لنا الزمن بأن نخرج من إطاره!".

اندمجت العباءات السوداء بالثياب البيضاء في رقصةٍ صوفية مهيبة. ومع سرعة الحركة، بدأت الألوان في عيني فارس تتداخل؛ صار بياض البيوت يمتزج بزرقة الأبواب، وأصبح الأخضر في الأرض يتطاير كشراراتٍ من النور. في وسط هذا الصخب، اقتربت زهرة من "أبو القاسم" وهمست: "أتراه صدق يا أبا القاسم؟ أترى بيوتنا جميلةً حقاً في عيونهم؟". نظر أبو القاسم إلى جدرانه المتشققة، التي بدت تحت ضوء المشاعل وكأنها منحوتاتٌ من ذهبٍ معتق، وقال: "الجمال كان دائماً هنا يا زهرة، لكننا كنا نحتاج لغرباء يخبروننا أننا نعيش داخل قصيدة".

ومع اقتراب الفجر، بدأت القافلة بالاستعداد للرحيل كما دخلت. لم يرحل معهم أحد، حتى "فارس" الذي كان يحلم بالمدن، قرر البقاء. وقف يشاهد خيالهم يبتعد نحو التل الأحمر، ثم التفت ليرى قريته من جديد. كانت الشمس قد بدأت ترسل أولى خيوطها، فاستعادت الألوان ثباتها، وهدأت ضربات الفرشاة الكونية التي كانت تحرك المشهد.

عادت زهرة لتملأ جرتها، وعاد أبو القاسم ليتكئ على جدار الرواق، وجلست النسوة في أماكنهن المعهودة كما رسمهن القدر أول مرة. لكن شيئاً ما قد تغير؛ فالصمت لم يعد ثقيلاً، والشقوق في الجدران لم تعد نذيراً بالخراب، بل أصبحت ممراتٍ للضوء.

تنفست شجرتا الصفصاف بعمق، ونظرت حليمة إلى الأرض الملونة وقالت بابتسامةٍ غامضة: "لقد رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم سرّ البقاء.. نحن لسنا مجرد طين، نحن الأثر الذي يتركه الحلم على وجه الأرض". وبقيت "ملاذ الظلال" لوحةً خالدة، لا تنتهي عند حدود الإطار، بل تبدأ منه كلما نظر إليها غريبٌ يبحث عن معنى السكينة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى