الثلاثاء ١٢ أيار (مايو) ٢٠٢٦
بقلم شامة اليعقوبي

سحر العلاقة بين المكان والإنسان

كان التراب دائما رمزا للأرض التي هي الأم الأولى، تحمل الانسان فوقها ليحيا ويستمر، يأكل منها ويعمر فيها، وحينما يموت تحتضنه في باطنها. وكما هو الشأن في كل الثقافات الإنسانية، فإن المكان في التجربة المغربية ليس رقعة جغرافية محايدة، إنه امتداد حميم للناس ولحكاياتهم ولطريقة إحساسهم بالعالم، ففي كلمة " َلبْلاد" يلتقي معنى الوطن بمعنى القرية والمدينة والأصل العائلي والمكان الأول الذي يعود إليه الإنسان ولو طال غيابه، ولهذا لا يتحدث المغربي عن الرجوع إلى َلبْلاد كما يتحدث عن سفر عادي، ولكنه يستحضر عودته إلى جذور عميقة تشد الفرد إلى أهله وطفولته ولهجته ووجوه من سبقوه. وتتجلى هذه العلاقة في المدينة العتيقة كما تتجلى في القرية والجبل والواحة والحي الشعبي، فالمكان هناك يتكون من العيش اليومي ومن الأبواب التي تعرف أصحابها ومن السوق الذي يحفظ إيقاع الناس ومن المسجد والفرن إلى الدرب وباقي المعالم التي تربط بين البيوت والذاكرة المشتركة، لذلك تصبح فاس أو مراكش أو تطوان أو البيضاء ووجدة وغيرها أكثر من مدن تاريخية، إنها فضاءات عيش صنعتها الأقدام والأصوات والحرف واللقاءات المتكررة بين السكان، وكذلك المدن الصغيرة أو القرى والمداشر، والأمكنة الصغيرة جدا .. جميعها ذات سحر على الانسان.

في الفلسفة الإنسانية للمكان، لا تكفي الخرائط لفهم العلاقة بين الإنسان ومحيطه، لأن المكان يكتسب معناه حين يسكنه الناس ويمنحونه اسما وذكرى وانتماء، فالرياض المغربي مثلا لا يفهم من هندسته وحدها، بل من الضوء الداخل إلى صحنه ومن أثر العائلة التي عاشت فيه ومن الضيافة التي تشكل روحه ومن الصمت الذي يحفظ طبقات الزمن داخله، كذلك النوالة والخيمة والقصر.

في مناطق الأطلس وسوس والريف، يظهر الارتباط بالمكان من خلال معنى الأرض الأصلية، حيث تمتزج اللغة الأمازيغية بالعائلة وبمسارات الرعي والزراعة وبالمواسم والاحتفالات المحلية، فالقرية لا تعني السكن وحده، وإنما تعني معرفة دقيقة بالمسالك والماء والأشجار والقبور وأسماء العائلات، كما تعني شعورا مستمرا بأن الإنسان ينتمي إلى أرض تحمل تاريخه حتى حين يبتعد عنها.

يحمل المغرب أيضا علاقة روحية بالمكان، إذ تكشف الزوايا والأضرحة والغابات وبعض المقامات الشعبية عن تصور يرى في الأرض حرمة ومعنى، فبعض الأمكنة تكتسب قيمتها من منفعتها الاقتصادية وأيضا من الاحترام الذي يمنحه الناس لها ومن الشعور بأنها تحفظ صلة خفية بين الأحياء والأسلاف والطبيعة، وهذا يجعل المكان مجالا للأخلاق والرعاية لا مجرد مورد قابل للاستعمال. لكن هذه العلاقة لا تبقى ثابتة، فالهجرة والتمدن والسياحة والجفاف وتحولات العمران تغير طريقة الناس في الإحساس بأمكنتهم، وقد يعيش المغربي في مدينة كبرى أو في بلد بعيد بينما يستمر المكان الأول في تشكيل وجدانه، ويظهر ذلك حين يعود المهاجر في الصيف إلى قريته أو حين يرسل المال لبناء بيت العائلة أو حين يتأثر بزلزال يصيب منطقة بعيدة جغرافيا لكنها قريبة في ذاكرته وانتمائه.

من خلال المغرب نفهم أن العلاقة بين الناس والمكان علاقة حية تتشكل عبر الزمن، فالمكان يمنح الإنسان إحساسا بالاستمرار وسط تغير العالم، والإنسان يمنح المكان صوته ومعناه وملامحه، وبين المدينة العتيقة والقرية الجبلية وبيت العائلة وبلاد المهجر تتسع فكرة المكان لتصير تجربة إنسانية عميقة، فيها الحنين والعمل والخوف والأمل والرغبة الدائمة في ألا ينقطع الإنسان عن أصل يناديه بصمت.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى