عشرون سنة على رحيل عزيز شهال
بمرور عشرين سنة على رحيل عزيز شهال، لا يبدو الزمن هنا رقماً يُعدّ، بل فراغاً يُقاس. فراغ تركه رجل لم يكن مجرد منشّط تألق في “استوديو 5”، بل صاحب رؤية اختار أن يسبق السياق بدل أن ينتظره.
في لحظة كان فيها الإنتاج التلفزيوني محصوراً بين من ينفّذ ومن يترقب الدعم، شقّ شهال طريقاً ثالثاً: الإنتاج الذاتي. لم ينتظر طلبات العروض، بل خلقها؛ لم يبحث عن التمويل داخل الدوائر المغلقة، بل في السوق؛ ولم يتعامل مع العمل كمنتوج فني فقط، بل كمشروع اقتصادي قابل للحياة. هكذا، نقل الإنتاج من منطق التبعية إلى ثقافة المبادرة، ومن وضعية الانتظار إلى موقع الفعل.
ولم تبقِ هذه الرؤية حبيسة الفكرة. مع تجربة إدخال “السيتكوم” إلى التلفزيون المغربي عبر شركة “سبيكتوب”، لم يكن الأمر مجرد تنويع برامجي، بل إعلاناً عن منطق جديد: إنتاج قائم على الجرأة، وعلى تحمل المخاطرة، وعلى بناء علاقة ذكية مع السوق الإشهارية. كان يدرك أن الجودة استثمار، وأن الاستقلالية -ولو نسبية- شرط للاستمرار.
غير أن المسار، كما في كثير من التجارب الريادية، لم يكتمل. رحيله المبكر ترك المشروع في منتصف الطريق، وترك خلفه سؤالاً أكثر من كونه نموذجاً مكتمل الملامح. ومع ذلك، لم تنطفئ الشعلة. فقد واصلت فاطمة بن كيران هذا المسار، مستندة إلى تجربة من داخل الورش، عبر أعمال مثل “دار الورثة”، التي ظلت علامة بارزة في السيتكوم المغربي، إلى جانب انفتاح على السوق العربية، خاصة عبر قنوات مثل MBC. لكن هذا الامتداد ظل مجهوداً فردياً، في غياب بيئة عامة تتبنى نفس الفلسفة.
بعد عقدين، يبدو المشهد وكأنه انقلب على نفسه. لم يعد السؤال: كيف ننتج؟ بل: متى سيُطلب منا أن ننتج؟ شركات كثيرة دخلت حلقة مغلقة: تنتظر طلبات العروض، تشتغل وفقها، ثم تعود إلى الانتظار. ومع الوقت، تآكلت روح المبادرة، وتحول الإنتاج إلى نشاط موسمي تحكمه الروزنامة أكثر مما تحكمه الرؤية.
الأخطر أن هذا النمط خلق نوعاً من “الاطمئنان السلبي”، حيث لم تعد المخاطرة ضرورة، ولا البحث عن بدائل أولوية، ما دام الحد الأدنى من الاستمرارية مضموناً. وهكذا، لم يتراجع فقط نموذج الإنتاج الذاتي، بل تراجعت معه روح الابتكار، وتقلّصت مساحات الجرأة، خصوصاً في برامج الترفيه الكبرى التي كانت تصنع الحدث وتوحد الجمهور.
ورغم هذا الجمود، تظهر بين الحين والآخر إشارات مقاومة. تجربة إدريس شحتان في عمله “المرضي”، المتوج بالجائزة الكبرى في مهرجان مكناس للدراما، تعيد طرح السؤال بصيغة واضحة: هل العائق في الإمكانيات أم في الإرادة؟ فالعمل لم ينبثق من طلب عروض، بل من مبادرة ذاتية بحثت عن شركاء في السوق وراهنَت على مشروع مستقل.
اليوم، يحتفي الخطاب السائد بالجودة والتتويجات، لكنه يغفل شروط إنتاجهما. يتم التركيز على النتائج، بينما تُهمَل النماذج التي صنعتها. في هذا الخلل، تتكرر الأسماء، وتتشابه الصيغ، ويغيب التنوع.
لذلك، فإن استحضار تجربة عزيز شهال لا يجب أن يكون مجرد وفاء لذكرى، بل دعوة لإعادة طرح الأسئلة المؤجلة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي تجربة رائدة هو أن تتحول إلى استثناء يُحتفى به بدل أن تتحول إلى قاعدة تُستعاد.
لم يكن ما قام به معجزة، بل اختياراً واضحاً: أن تنتج قبل أن يُطلب منك، أن تبحث عن السوق بدل انتظارها، وأن تراهن على الجودة كاستثمار لا كترف.
السؤال اليوم ليس: لماذا لم يتكرر عزيز شهال؟
بل: لماذا توقفنا عن التفكير بالطريقة التي كان يفكر بها؟
