الأحد ١ آذار (مارس) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

عازف الرصاص

السماء غبش لا ينجلي، كأنها رداء صوفي قديم نسجته أدخنة الخنادق، وهناك، في عمق اللجة التي لا قاع لها، كان يرتفع العزف. لم تكن الأنغام من قصب أو وتر، بل كان "أيوب" يضبط إيقاع أنفاسه على وقع الرصاص الذي كاد أن يكتب خاتمته بجرة نار. الرصاص يحوم حول رأسه كفراشات معدنية عمياء، تبحث عن زهرة من دم لتستقر فيها، لكنه في تلك اللحظة التي تسبق الفناء، انسلخ عن جسده؛ لم يعد جنديا يحتمي بالتراب، بل صار شبحا يعبر بين الترددات، خيطا رفيعا يمر من ثقب إبرة الموت دون أن يخدشه الردى.

وسط هذا الصخب، اتكأ أيوب بظهره على جدار الساتر الطيني، يحيط به ثلاثة من صحابه، "مجموعة المقاتلة" التي تقاسمت معه الرغيف الأخير والذعر الأول. ساد صمت ثقيل خرقته رنة ولاعة قديمة، حينها سأل "عمر"، وهو يحدق في أصابعه المرتجفة: "هل يظن أحدكم أننا سنعبر هذا البحر من الجمر؟ أم أن أسماءنا ستُسحق تحت جنازير الدبابات؟".

رد "إلياس"، وهو يشد قبضته على بندقيته بشجاعة يائسة: "النجاة خرافة نؤجل تصديقها حتى نصل، لكنني سأقاتل كأنني سأعيش أبدا. ليس لأجل المجد، بل لأجل تلك الصغيرة التي تنتظرني عند الباب؛ أريد أن أرى مستقبلها يكبر بعيدا عن هذا الركام، أريدها أن تدرس في مدرسة لا تسقط جدرانها بصوت الطائرات".

أما "يوسف"، فقد كان توجسه أعمق، همس بصوت مخنوق: "الاحتمالات ضيقة يا صحاب، والموت يختار الأفضل منا دائما. أخاف أن تصبح زوجتي أرملة في ربيعها العشرين، أن يكبر ابني ويحمل صورتي الفوتوغرافية بدلا من يدي. عائلتي هي يقيني الوحيد، لكنني هنا، أشعر أنني مجرد رقم في مفكرة جنرال لا يعرف ملامحنا".

نظر أيوب إليهم، كان يرى الرصاصات تبطئ في الهواء، تتحول إلى نوتات نحاسية تتطاير في فضاء من العدم، وكان هو المايسترو الذي يقود هذه المجموعة المقاتلة بقلب كف عن الخفقان خوفا، وبدأ ينبض شعرا غامضا. الحرب تحاول اصطياد أرواحهم بشرك من حديد، لكنه كلما اقتربت منه قذيفة، همس للأرض بسر قديم، فتنفست الأرض تحت قدميه وابتلعت الوجع. لقد عبر النهر الذي لا يرجع منه أحد، مشى فوق ماء النار حافي الروح، حتى استحال الضجيج في أذنيه إلى صمت مطلق، صمت يشبه ما قبل الخليقة، حيث لا حرب هناك ولا أسماء.

حين استفاق خلف خطوط الذاكرة، وجد نفسه غريبا عن المرايا، يحمل في جيبه شظية باردة كانت ستكون قدره، لكنها صارت تميمة نجاته. لقد تخلص من الحرب، لا بالهرب منها، بل بالذوبان فيها حتى لم يعد للرصاص جسد يصيبه؛ عاد كقصيدة لم تكتمل، كعازف أضاع لحنه في الزحام، وانتهى به المطاف عند حافة غابة بكر، لم تلمسها يد البارود.

هناك، جلس مسندا ظهره إلى جذع شجرة هرمة، يراقب نملة تجر قشرة قمح بسلام مستفز. الصمت هناك كثيف، كأنه مادة سائلة تغسل أذنيه من عويل المدافع وصور صحابه الذين تفرقوا في مهب الرصاص. أغمض عينيه، فسمع لأول مرة صوت نمو العشب، وصوت الهواء وهو يداعب الأوراق العالية. لم يكن صمتا فارغا، بل كان ضجيجا من نوع آخر؛ ضجيج الحياة التي تعيد تشكيل نفسها من جديد. لم يعد "عازف الرصاص" يخشى شيئا، فقد أدرك في تلك العزلة المقدسة أن الموسيقى الحقيقية هي تلك التي تعزفها الحياة حين تقرر، في لحظة تجلٍ غامضة، أن تمنح الموت إجازة مفتوحة، وتترك للإنسان حق التلاشي في ملكوت الهدوء.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى