الخميس ٨ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

صوت البحر والذاكرة

(1)

بوسع الحلم

أن يطرق نافذتنا بلا موعد،
وأن يدخل مثل ضوء خجول،
لا يربك السكون،
بل يعيد تهدئتها حولنا.

بوسع الحلم
أن يجعل المسافة أقل تعبًا،
وأن يحول الغياب
إلى مكان ينتظرك
بلا سؤال،
فنطمئن.

حين اقترب منك
لا أفعل أكثر من الإصغاء
إلى ما يقوله جسدك للوقت،
إلى خفقة نبضك
وهو يلامس معنى البقاء.

أنت لست وعدًا
ولا نجاة مؤقتة،
أنت تلك اللحظة
التي يتخلى فيها القلب
عن حذره القديم.

بوسع الحلم
أن يسعنا معًا
دون تفسير،
ودون خوف من الاستيقاظ،
فبعض الأحلام
تعيش فقط،
لأنها تشبه الحقيقة.

(2)

ذاكرة

ذاكرة أنتِ،

كم أنتِ شاحبة وضيّقة في بعض الأحيان،
وواسعة كبحرٍ بلا شاطئ في أحيان أخرى.
تحملين وجهي القديم،
تحملين صمتي الذي لم أقل له شيئًا،
وتحتفظين بكل الكلمات التي لم تُنطق،
وكل العيون التي عبرت طريقك دون أن تلتقي.
فيكِ، تتلاشى اللحظات كما تتلاشى أوراق الخريف،
لكن رائحة المطر القديمة
تعود لتبعثني من بين رماد الأيام.
أراكِ حين أغمض عيني،
في ابتسامة صدفةٍ،
في صوت قادم من بعيد،
في شارعٍ مضى عليه العمر ولم يتغير.

ذاكرة، أنتِ مرآةٌ لا تكذب،
تظهرين لي من كنت، ومن كنت أظن أنني كنت.
تسحبينني إلى ركنٍ مظلم،
ثم فجأة، تضيئين المكان بوميض من الأمل.
تجمعين بين الألم والحنين،
بين الضحك والدموع،
كما تجمع الريح بين الغيم والسماء الصافية.
أحيانًا أراكِ كصديقة وفية،
تجلسين بجانبي في الليل الطويل،
تسردين لي حكايا قديمة،
عن وجوهٍ لم أعد أذكرها،
وعن أصواتٍ بقيت حبيسة في قلبي.
وأحيانًا، تصبحين خصمًا شرسًا،
ترشقين أمام بصورٍ كنت أنساها،
فتتألم الروح،
وينفطر الصمت بين ضلوعي.

لكنني أحبك، ذاكرة،
لأنكِ أنا، بكل تناقضاتي،
وبكل عتمتي والنور حولي.
أحبك لأنك تجمعين كل الطرق التي سلكتها،
وكل البيوت التي عشت فيها،
وكل القلوب التي مرّت من هنا.

ذاكرة، سأظل أكتب عنك،
سأظل أرسم على جدرانك،
سأظل أتمسّك بك،
كما يتمسك المسافر بنجمه الأخير في السماء،
علّني أجد نفسي،
أو أجد من كنتُ قبل أن أنسى.

(3)

أفكر مع البحر

أجلس.
أراقب البحر.
يمد ذراعيه نحو الأفق.
همس الأمواج يلمس قلبي.
أفكر كيف يظل هادئًا حين يثور،
كيف يمتص صخب العالم
ويعيد إليّ صمتًا أبيض.
أمواج تتوالى بلا نهاية.
تسقط، ترتطم، تنهض.
تعلم الصبر.
تعلم أن القوة تولد من الاصطدام.

الطيور تحلق.
تبدو أنها تعرف أسراره.
أفكر في الحرية،
في الرحيل،
في البقاء.

رائحة الملح.
صوت الريح.
غروب يحوّل النهاية إلى بداية،

كما لو أن البحر يهمس:
كل شيء يتحوّل،
لا شيء يضيع.
أتأمل نفسي،
أحلامي الغارقة،
آمالي السفن الصغيرة.
أوجاعي تتلاشى مع كل موجة.
البحر يعرف كيف يغسل القلب.

أحيانًا، أرغب أن أصير البحر.
لا أحتجز شيئًا،
أطلق كل شيء.
أكون واسعًا،
صامتًا،
مستمرًا بلا توقف،
متدفقًا بلا نهاية.

(4)

آخر الألم
في النهاية
لا نبكي،
نصغي فقط
إلى ما تبقى من القلب،
وهو يستعيد
قدرته على المحبة
بلا حذر.
ليس صراخًا
ما يحدث هنا،
بل سكون خفيف،
كأن الروح
تضع أحمالها
وتتنفس بعمق.
حين اقترب منك
تتقهقر الأيام الثقيلة،
ويصير التعب
أقل قسوة
وأكثر قابلية
للاحتمال.
تمسك يدي
لا كمن ينقذ،
بل كمن يؤكد
أن الطريق
صار أوضح،
وأن العتمة
لم تعد وحدها.
ومن هذا الهدوء
تبدأ محاولة جديدة
لا تشبه البدايات،
لكنها
حقيقية


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى