الأحد ٢٤ أيلول (سبتمبر) ٢٠٠٦
بقلم محمد دلة

بصرية النص شعرية الصورة

قراءة في فيلم "يوم ماطر" للمخرج الفلسطيني عائد نبعة

هكذا جاء "اليوم الماطر" يمارس غوايته خارجا من كل التفاصيل التي سفحت سوادها فوق مرآة المشهد متكئا على عام 3500 بعد الحضارة وكأنه يعلن أن كل أوقاتنا هباء ،ومنحازا لقرية هي آخر ما ترسب في قعر الحضارة بعد أن فردت كل همجيتها وسدوميتها فوق مجامر الأخلاق ومقامات الجمال وعذرية الرؤية.

إن كرمة واحدة تحمل في جذورها كل طاقات الخمر،ووسط ولعنا برنين الأسماء تسفح جرار كثيرة ويتمادى الخواء مؤكدا السائد ،لاعنا كل الخيول التي تسير أماما وان سمموا بالتجاهل والنكران حنون الدروب.

هكذا جاء "اليوم الماطر" يمارس غوايته خارجا من كل التفاصيل التي سفحت سوادها فوق مرآة المشهد متكئا على عام 3500 بعد الحضارة وكأنه يعلن أن كل أوقاتنا هباء ،ومنحازا لقرية هي آخر ما ترسب في قعر الحضارة بعد أن فردت كل همجيتها وسدوميتها فوق مجامر الأخلاق ومقامات الجمال وعذرية الرؤية.

ومع انسدال المشهد الأول تصفعك تلك الضبابية المرة ورائحة الزوبعة اللتان تأتمران بكل شيء،تتوسطها حركة النافذة التي تقطر بؤسا وتصطك بوحشية اصطكاك الجثث أمام قدم الجلاد،وتستمر الرؤية عبر إيقاعين :إيقاع المجرفة بيد حفار القبور وإيقاع طابة الفتى التي تضرب الباب الخشبي بإصرار وتحدٍ.

المشاهد الأولى تؤكد بطولة المكان بهمجية عناصره فالعاصفة والزوبعة وعناكب الضباب وخناجر المطر تحطمان كل شيء بقدرية عابثة متشفية لا نملك أمامها إلا سجود الإذعان
ويدور دولاب الفيلم ليدخلنا باحة إحداثه عبر ثلاثة أشخاص يؤثثون ذاكرة الكاميرا:أم وولد وحفار قبور،وكأن كل منتجات حضارة النفي واللامعنى لم يرشح منها إلا هؤلاء.

حفار يعربد فيه الموت،مات جميع الناس وما زال مصرا أن يملا الأرض قبورا فاغرة فاها،ويمارس فجوره بامرأة معاقة ويجبرها على الرقص بانتشاء سادي،ويربط الفتى الذي رفض أن يقتله إلى سلسلة الحديد ليورثه مهنة الموت.

وامرأة تستجير بفتاها وتذعن لحفار القبور يؤجل اغتصابها ليوم آخر،وترقص إذعانا لرغبات حفار القبور أو تمردا على إعاقة تورث الذل وذهنية الضحية،وتركض تجاه ابنها الذي اسلم قدميه للريح لتصطدم بجدار رجليها المشلولتين ،لا باس تضمد قدميها وتنطر أن يؤوب.

وفتى يتساءل ما جدوى القبر وقد فني الناس،ويطلق النار فيفك قيد أمه ويترك حفار القبور طليقا في براري عزلته،ويسابق العناصر ليسد شقوق الصفيح التي تجلد أمه بالبرد والموت،وحين تعجز يديه وأدواته يسد الشقوق بناحل جسده إلى أن تنجلي العاصفة.

لا أريد أن اسرد كل تفاصيل الفيلم الذي وظف كل شيء،فامكانات الإنتاج المدقعة كشفت حالة البؤس التي تغمر الفلم،والمشاهد لا طول ولا قصر،رؤية بصرية معمقة متسائلة وواخزة،وكأنها علامات معرفية عرفا نية في مقام صوفي تعبث بكل شيء وتشي بفضاءات أخر.

كل لقطة كاميرا علامة،وكل مشهد حال،موظفة بتقنية سينمائية عالية تنقلك من ذروة لذروة تتوالد فيها الأحداث وكأنك في ميثولوجيا حجرية.

الفيلم نمذجة للفيلم الدرامي القصير الذي يرى ولا يقول،فالحوار لا يتسلل إليك إلا كما يتسلل الدفء في ليلة شتائية نادر ومحتاج إليه،فالفتى النهر يأمر الموتى أن يتنفسوا بعد أن زرع في صدور قبورهم شبابات القصب ،ورغم انحياز الرؤية لصالح الحياة إلا أن نهاية الفيلم شرعت كل التاويلات كشطحة صوفية عصفت بقلب مريد،فالفتى وارث كل شيء، ورث ملابس الحفار وأتم مراسم الدفن وطرز بعذرية الأخضر قبر أمه

قراءة في فيلم "يوم ماطر" للمخرج الفلسطيني عائد نبعة

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى