أم هاني
ما كانت أم هاني تعرف بالضبط متى بدأ الانتظار؛
أكان يوم ودّعته عند أول الشارع؟
أم منذ اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلفه، وبقي صدى الخطوة الأخيرة عالقًا في الجدار؟
كانت تقول لنفسها:
«سافر… ولم يأخذ معه إلا نصف قلبي، وترك النصف الآخر معلّقًا هنا، عند هذا الباب».
منذ رحيل هاني تغيّر كل شيء دون أن يتغيّر شيء.
الدار هي ذاتها: الجدران المتآكلة، السقف الواطئ، الراديو القديم الذي يصرّ على بث الأغاني ذاتها، لكن الزمن صار أثقل.
صار يسير ببطء متعمّد، كأنه يعرف أن امرأة واحدة هنا لا تملك إلا الانتظار.
وكان الوجع، في غيابه، يتخذ أشكالًا لا تُرى.
يوجعها الصباح حين تفتح عينيها ولا تعرف أين صار ابنها، ولا يوجعها الليل بقدر ما يوجعها ذلك الفراغ بين السؤال والجهل بالمصير.
كانت تضع يدها على صدرها أحيانًا، لا لتخفف الألم، بل لتتأكد أن القلب ما زال في مكانه، وأن الخوف لم ينتزع نبضه.
أسوأ ما في الغياب، كما كانت تشعر، ليس الفقد، بل الجهل:
أن لا تعرف إن كان يتنفس الآن، إن كان جائعًا، إن كان يذكرها كما تذكره.
كانت أم هاني تستيقظ قبل الفجر، لا لأن عندها ما تفعله، بل لأن النوم صار ضيفًا ثقيلًا لا يطيل البقاء.
تعدّ الشاي في إناء صغير، واحد فقط، ثم تتوقف فجأة…
تحدّق في الإناء، وتتذكر كيف كانت تضع كوبين:
واحدًا لها، وآخر له.
فتتمتم:
«عودتك قريبة… أشعر بذلك».
في الصباح تجلس قرب الباب.
ليس لأنها تحب الشارع، بل لأن الباب صار نافذتها الوحيدة على العالم، وعلى الاحتمال.
تمرّ النسوة، يلقين السلام، ويسألنها السؤال ذاته:
— «ماكو خبر من هاني؟»
فتهزّ رأسها وتبتسم، تلك الابتسامة التي لا تقول نعم ولا تعترف بلا.
كانت تخاف من كلمة «لا».
تشبه النعش.
الحيّ تغيّر، الوجوه تغيّرت، الأطفال كبروا، بعضهم صار آباء، لكنها بقيت كما هي:
امرأة تحمل عمرها على كتفيها، وتخبئه في اسم واحد.
في المساء، حين يهدأ كل شيء، كانت تتحدث معه.
ليس بصوت عالٍ، بل بذلك الصوت الداخلي الذي لا يسمعه أحد سواها:
«هاني…
أتعرف؟
ما زلت أضع ملابسك في الخزانة ذاتها.
لم أغيّر مكانها.
أخاف إن حرّكتها أن تضيع الطريق إليك».
كانت تفتح الخزانة أحيانًا، تمرّر يدها على القماش، تشمّ الرائحة الباهتة التي بقيت من زمن آخر، ثم تغلقها بسرعة، كأنها ارتكبت خطيئة الحنين.
مرّت السنوات.
كبرت الوحدة داخلها حتى صارت شيئًا ماديًا، يمكن لمسه.
كانت تجلس أحيانًا وتشعر أن الكرسي المقابل لها ممتلئ، فتبتسم، ثم تتذكر…
فتسكت.
وفي يوم عادي، بلا مقدمات، جاء الخبر.
لم يأتِ مع موسيقى أو علامات، جاء مع جارة قالته كأنها تقول أي شيء آخر:
— «أم هاني… ولدك راجع. بعد أيام».
لم تصرخ.
لم تبكِ.
لم تفعل شيئًا سوى أن جلست.
شعرت أن قلبها توقف لحظة، ثم عاد يخفق بعنف، كأنه يريد أن يعوّض كل تلك السنوات دفعة واحدة.
قالت بهدوء غريب:
— «أدري… كنت حاسّة».
منذ تلك اللحظة صار الزمن مضطربًا.
تتسارع الأيام، ثم تتباطأ.
تنظف الدار مرارًا، رغم أنها نظيفة.
تعدّ الطعام ثم تعيده.
تنام قليلًا، وتصحو كثيرًا.
كانت تخاف.
ليس من عودته…
بل من ألا تكون كما يتذكرها.
وفي صباح مكسور الضوء، سمعت طرقًا على الباب.
طرقًا حقيقيًا هذه المرة، لا يشبه طرقات الوهم.
فتحت الباب.
وقف أمامها رجل…
لكن عينيه كانتا عيني الطفل ذاته.
لم تقل شيئًا.
لم تقل «هاني».
لم تقل «ولدي».
اكتفت بأن مدّت يديها واحتضنته، كما لو أنها تحاول أن تثبّت العالم في مكانه.
بكى.
وبكت.
ولم يعرف أحدهما من بدأ أولًا.
قال لها بصوت خافت:
— «يمّه… تأخرت».
فمسحت وجهه، وقالت ببساطة تشبه الحكمة:
— «المهم وصلت».
في تلك اللحظة فهمت أم هاني أن الانتظار لا يضيع،
وأن الحب، حين يكون صادقًا، لا يشيخ…
بل يجلس فقط، عند الباب،
وينتظر.
