أبجدية الرمل
كان يقرأ كما يتنفس؛ بلا تفكير في البداية أو النهاية. يلتهم الكتب الجديدة كما يلتهم العطشان غيمةً ضالّة، ويتتبع أسماء المؤلفين كما يتتبع المسافر النجوم في سماء بعيدة. لم يكن يفرّق بين كتاب تاريخ وديوان شعر؛ فكلها، بالنسبة له، ممرات تؤدي إلى ساحة لا يعرف ملامحها، وساحة تتغير كلما حاول تثبيتها بعين العقل.
جاءه الخال، لا يحمل في وجهه التعبير الذي اعتاده منه، بل نظرةً كأنها تعرف خبرًا لا يُقال دفعة واحدة. جلس على الكرسي المقابل، ووضع على الطاولة كتابًا صغيرًا مغطّى بجلد بلون الرمل حين يبلّله المطر، وقال:
– هذا لا يُقرأ بالعين وحدها، بل بما خلفها.
لم يستفسر. مدّ يده وفتح الصفحة الأولى، فرأى سطورًا متكسّرة، كأن الحروف وُضعت بعد زلزال. بدأ يقرأ، فاكتشف أن الكلمات لا تصف شيئًا محددًا، بل توقظ إحساسًا لم يعرف له اسمًا من قبل، إحساسًا يشبه ضوءًا ينسكب بين كسرات الذكريات واللاوعي.
جلس ليلاً في غرفته وأخذ يقرأ ببطء. وفي لحظة ما، شعر أن الغرفة اتّسعت، وأن الهواء أصبح أثقل قليلًا. لم يفقد وعيه، لكنه فقد مكانه، ووجد نفسه بين أناس يجلسون على أرض من تراب ناعم، يتبادلون نظرات قصيرة ويطيلون الصمت. كانوا يتحدثون أحيانًا، لكن أصواتهم تشبه خفق جناح في ليل بعيد، وكأن الكلمات نفسها تخشى أن تُسجّل على الورق.
قال أحدهم:
– نحن لا نقرأ الكتب لنفهم، بل لننسى أننا نفهم.
فسأله:
– وإن نسينا، ماذا يبقى؟
أجاب:
– يبقى ما لا يمكن أن يُمحى… لكنه لا يُكتب.
من تلك اللحظة، بدأ إيقاعه يتغيّر تدريجيًا، وتكشف الأيام أن الروح ليست مجرد توقّع للأحداث، بل ساحة غامضة تتنفس وحدها. صار يستيقظ قبل الفجر، يفتح النوافذ لا ليراقب الشارع، بل ليترك الهواء يدخل وفيه شيء من ذلك التراب الناعم، شيء يجعل كل نفس كأنه يكتب سرًّا على جلد الروح. لاحظ أن حواراته مع الناس لم تعد كما كانت؛ بات أقل استعجالًا في الإجابة، وأكثر ميلًا للابتسام حين يواجهه أحدهم بسؤال مباشر، كأن الابتسامة نفسها رسالة مشفرة لا يعرفها إلا هو.
رأى صديقه القديم الحديث، فقال:
– لماذا تدافع عن رأي لا يوافقك فيه أحد؟
– لأن ما لا يوافقني فيه أحد، هو ما لم يره أحد بعد.
– أهذا اعتداد بنفسك أم هروب من الواقع؟
– بل بحث عن واقع آخر… لا يعرفونه بعد.
بدأ بعضهم ينفر منه، فيما اقترب آخرون بحذر، كأنهم يخشون لمس شيء غامض في يده. أما هو، فكان يشعر أن طريقًا يتفتح أمامه كل يوم خطوة جديدة؛ طريق لا يعلن نفسه، ولا يرحّب بأحد، لكنه لا يرفض من يواصل السير، طريق تتشابك فيه الخرائط والغياب والضوء الخافت الذي لا يُرى إلا بعد أن يُحسّ.
ذات مساء، وبينما كان يقرأ في الكتاب ذاته، توقفت الحروف فجأة، كأن الصفحة امتنعت عن البوح. شعر بثقل في قلبه، وكأن الباب الذي دخل منه أول مرة بدأ يُغلق. تذكّر وجوه الذين جلس بينهم، فنهض من مكانه، وسار بلا وجهة حتى بلغ أطراف المدينة، حيث لا بناء ولا ضوء. هناك، وجد دائرةً من الحصى مرسومة على الأرض، وفي وسطها حجر صغير.
لم يلمس الحجر، بل جلس أمامه وأغمض عينيه. لم يعد يشعر بالوقت، ولا بالمكان، وكأن الحروف نفسها انسحبت من العالم إلى فراغ داخلي لا يشيعه إلا صدى صمت طويل. كان يسمع في داخله همسات غير مرئية، تهمس بأسماء لم تُسمع من قبل، وألوان تتسلل عبر جسده دون أن يراها، وكأن الأرض نفسها تحفظ أسرارًا لا يمكن ترجمتها. حين فتح عينيه، كان الكتاب قد اختفى من بين يديه، لكن في داخله كانت تتردّد جملة واحدة:
«من يعرف الطريق، لا يحتاج إلى دليل.»
ومنذ ذلك الحين، صار كلما مرّ على الناس يبتسم، وكأنه يعرف خبرًا لن يقوله… لا لأنه لا يريد، بل لأنه لا يمكن قوله، سرّ يذوب بين الحروف التي لم تُكتب بعد، بين الأماكن التي لا يسجلها الضوء، وبين الرمل الذي يحمل أبجديته الخاصة، أبجدية لا يفهمها إلا من قرأ ما خلف الحروف، أبجدية يتقاطع فيها الغموض مع صدى الزمن الخفي، وغموض آخر يتسلل بين الصمت والهواء، بين الرؤية والخيال.
