الاثنين ١٢ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

نُتَفٌ من لِحْيةِ دَجّال

1 - يقترف العبادة، ويستغلّ الدين، لا لسموّ الإنسان؛ وإنّما لأغراضه الدنيوية.

2 ـ ذات ليل بهيم، اقتحم عقلَ رجل بسيط، وفي يده مشكاة لأجل أن ينوّره؛ ولمّا كانت له أغراضٌ أنانية، فإنّه انصرف لها، فترك عقل ذلك الرجل أكثر ظلاما من ذي قبل.

3 ـ وكان أن استقطبني إلى قطبه، وبالمجاهدة والتدريج، استطاع أن يحطّم آخر حجارة من جدار مقاومتي؛ ويقيّد آخر الأسئلة المتبقّية من طفولتي. وكذلك فعل بجميع أفراد جماعتي. وفي إحدى الليالي، تهتُ عن نفسي؛ وأنا أبحث عنها، رأيتُ واحدا منّا يدلّك رجليه، فلمّا دققت النظر في شأن ذلك العبد؛ وجدته أنا.

4 ـ قلتُ له:"تقول إنّك جئتَ لتنير عقلي، فما بال الظلام يعمُّ قلبي؟ هل لأنني انصرفت عن العبادة لأجل قضاء أمورك الخاصة؟" فنظر إليّ نظرة حادّة. وفي الليل جاءني أخ، وقال لي:"يقول إنك مُصابٌ بداء الشك، وعليك أن ترحل لأجل سلامتك وسلامة الجماعة".

5 ـ فأسررتُ لذلك الأخ:أحب الحياة. فردّ/ أنت جاهل./ وقلت له:أتفهّم من له معتقدٌ غير معتقدنا./ فقال:أنت جاهل./ واصلتُ:أحبّ المرأة في مظاهرها الخلاقة./فرد:أنت جاهل./وقلتُ له:تنعتني بالجاهل وأنا طبيب، مهندس، فنان، مدرس، رياضي، مفكر، رجل أعمال، دكتور، صحافي متمرس… ولي مكتبة ضخمة صرفتُ عمري في بنائها، وصرفتْ عمرَها في بنائي…/ فردّ بعصبية:بكل علومك وفنونك فأنتَ لا تساوي نُتفة من لحيته "هو"…

6 ـ وأنا أرى هذا ال«هو»يمنع أيّ أحد آخر من أن يصير مثله.

7 ـ مرّة قال لي:«هذا هو الكتاب، وهذا هو المنهج اللذان سيحمياننا من الفساد والمفسدين» فتأمّلتُهما، فبان لي أنهما نفس الكتاب والمنهج اللذين لم يمنعا الفساد والمفسدين أن يستعبدانا على مدى قرون.

8 ـ لحية الدجّال قالتْ لي:"سأحميك" فقلتُ لها:"ومن سيحميني منك؟" إذاك لكز خنجرٌ خاصرتي…

9 ـ في اجتماع سابق خطب فينا كلاماً يخص الطفلة والفتاة والمرأة (…) فهمستُ لأخ بجانبي:"الانقطاع المبكر عن الدراسة، الزواج المبكر، الأحجبة المادية والمعنوية؛ هذه شروط الوأد العصري للطفلة والفتاة والمرأة"… وفي المساء "شاءت الأقدار" أن يسقط على رأسي حجرٌ بحجم الموت …

10 ـ ليس من يعارضه في العقيدة عدوُّه اللدود؛ عدوه اللدود هو من يعارض مصالحه، أو من يعبّر أمامه عن التفكير الحر.

11 ـ عرفتُ أنّه يحبُّ أن يسكُن بيتاً فاخرا؛ لكنّ أحب السكن إليه؛ عقل تابعِه.

12 ـ وهو يحبّ أن يؤثث عقول الناس بالأفكار البالية، ولا يهمّه الأثاث الرديء؛ ذلك لأنه لا يرتاح إلا في العقول الرديئة.

13 ـ مرّة دخلَ إلى بيت الحاكم، وأكل من طعامه، وشرب من عينه، وقرأ في كتبه، وتسلّح بسلاحه؛ ثم طالبه بأن يتنحّى عن الحُكم(!)

14 ـ وأنا أراه يتهافتُ على الظهور في الجرائد والإذاعات، والقنوات الفضائية والماديات؛ سألتُ نفسي:"لماذا لا يستطيع أن يكون زاهدا؟"

15 ـ ذات ليلة تخيّلتُ اجتماعاً للزهاد... تخيّلتهم اجتمعوا لمناقشة "مسألة الإنسان"؛ ولمّا تفرّقوا؛ عمَّ الخير والسلام...

16 ـ ... واجتمع «هو» مع أمثاله لشهر وحول وعقد وقرن... ولمّا تفرّقوا؛ عمَّ الرعبُ والقتل والدمار...

17 ـ لحيةُ الدجال عامرة بالأحلام المَرَضِية، والأوهام الجاهلية، والرّؤى الطوباوية، والادّعاءات والتهديدات والفتاوى الحمقاء... فهل نصدقه؟

18 ـ أيّام عبوديتي له؛ سمعتُه يقول لزاهد:«كيف يمكن لك أن تكون سعيدا وأنتَ خارجٌ عن طريقتي؟» فقال له الزاهد الفذ:«أنا في البحر، وأنت في البرّ؛ هذا كل ما الأمر.»وانصرف.

19 ـ ورأيتُه لمّا جلس على كرسي الحكم، ونادى على وزرائه:«إليَّ بذلك الدجال الذي ينعتني ب...» وأمر بقتله. ثم التفت إليهم وقال:"أجيزواْ ما فعلت!"

20 ـ العقل المظلم يرى وراء حجاب المرأة «الشيءَ الجنسي».

العقل المستنير يرى وراء سفور المرأة «الإنسان».

21 ـ وكان قد فشل في ممارسة الشعوذة، وفي حب النساء، كما فشل في الدراسة، وفي الالتحاق بمدرسة الشرطة (لقصر قامته)، كما أخفق في التجارة والأدب، وفي علاقته مع البنك لمّا سحبت منه دفتر شيكاته.

22 ـ ولم يتورّع في إرسال تابعه إلى حتفه، لكي يخلو له الجو لينكح أرملتَه.

23 ـ دعوته إلى بيتي، وأكل من طعامي، ولمّا دلفتْ طفلتي ذات الخمس سنوات، في كسوة صغيرة مثلها، صرخ في وجهي:"أ لا تخجل من نفسك؛ تُدْخلُ علينا هذه العورة بهذه الكسوة السافرة؟" فغصّتْ اللقمة في حلقي، وأظلم المكان في عيني، فبان للرجل الذي يعاتبني قرنان وذيل، فقلتُ له:"أعوذ بالله منك أيّها الدجال القذر!"

24 ـ واكتشفتُ أنّه يطرب للمال، يرقص للسلطة، يسكر بنهود الأبكار، يفرح بالانتقام، يتزوّج ما يريد، يطلق متى شاء، لا يرابي لكنّه يودع أمواله في بنوك تتعامل مع بنوك مرابية، ولا يتحرّج من مصافحة أعدائه العقائديين متى كانت بينه وبينهم مصلحة...

25 ـ قال صوفي:"لا أقوم بالعبادات على النحو الموصوف، لكنّني أتأمّل عظمة الله في خلقه، وآكل من عرقي، وأبَرُّ بوالديَّ، وأحسن إلى جيراني، وأساند المظلوم، وأكفكف دمعة اليتيم، وأُميط الأذى عن الطريق، وأستضيف المنبوذين، وأُقري أبناء السبيل، وأتصدق بدمي مرّتين في العام، وأنبذ الأحقاد، وأدعو للسلام..." فقال له سيّدي الدّجال:"أنتَ كافر، ودمك حلال."

26 ـ وقال لنا:"أنا أعلم الكليات والحقائق الكبرى"؛ وأنا أعرف أنّه لا يعلم حتّى الحقائق الصغرى؛ فيا له من مُدّعي!

27 ـ هل يشعر بالحسد عندما يراني سعيدا بعملي، وعلمي، وموسيقاي، وشعري، وحريّتي الفكرية، وفردانيتي؟

28 ـ "آمنْ بما أومنُ به وإلا قتلتك ! ـ هذه هي جاهلية القرن الواحد والعشرين.

29 ـ في ظلال الدجّال... في عبودية الأغلال... في واقعية الاستغلال... في مكر وحقد بعض الرجال.

30 ـ وهو يخطِئُ خطأً لا يُغتفر عندما يجعل من الله كائنا سياسيا.

31 ـ وزمجر ذات لقاء مظلم:"لتسقط الأقنعة ! " فسقطتْ هِلَّوفتُه.

32 ـ كنتُ في العتمة لا أرى أبعد من أنفي، فجاء "سيدي بودنجال" بمصباح متوهّج، فصرتُ لا أرى شيئا على الإطلاق.

33 ـ اختلف الدجّالون فيما يعتمرون، واتفقوا جميعا على الإمساك بالعصا!

34 ـ يحرّرك أبو لحية الدجّال من مالِك (يسلبه منك)؛ ومن الجاه (لا يترك لك وجها)؛ ومن الشهرة (إلا شهرة حتفك).

35 ـ استحمّ في الدّوش. تناول فنجان قهوة من القاهية الكهربائية. شغّل التلفاز بجهاز التحكم عن بعد. أدار وجه القصعة الهوائية جهة الغرب. رأى على القناة برنامجاً لم يعجبه. هرول إلى سيارته الفاخرة. شغّل المهتاف المحمول. وقال لشخص مّا:"أنا الفُلانُ أبو لحية... سجّل أنّني أرفض كلّ ادعاءات الغرب".

36 ـ كلّما طالتْ لحيتُه، نقُصَ عقلُه.

37 ـ حيث أنّه لا يملك برنامجا سياسياً يراعي أحوال المجتمع وتاريخه، وأحوال الجوار والإقليم الدولي، وبما أنّه يجهل الطبيعة البشرية، فإنّه يقول بسذاجة يُحسدُ عليها:"أعطوني الحكم أوّلا، وسوف ترون منّي العجب!"

38 ـ "كل ما في المرأة عورة" قال الدجّال الأعور.

39 ـ مقادير:

150 غرام من الكبت الطفولي.

200 غرام من وهم النبوّة.

250 غرام من الفشل في الحب الإنساني.

300 غرام من حب السلطة.

100 غرام من بهارات الغيرة والحسد.

لصنع كيلوغرام من "عجائن أبي لحية".

40 ـ تُصوِّرُ أفلامُ علمِ الخيال كائناتٍ مرعبةً بعين واحدة، أو بثلاث عيون، أو بعيون عديدة... لا! ليس هناك أرعب من عينيّ سيّدي الدجّال!

41 ـ لكل مشكاة وقود... أمّا وقود مشكاته، فهو عقل تابعيه.

42 ـ وعندما يريد أن يستميل المرأةَ إلى حزبه، يقول لنا:" المرأةُ نصف العالم."

لا! المرأةُ كلُّ العالم.

43 ـ "كل تأويل للنصِّ يمكن معارضتُه من داخل للنّص." قال "باختينْ".

ـ "اقتلوه! قال "سيدي أبو اللِحية المُقمّلة.

44 ـ حجابُ المرأة هو المثلجة التي يضعُ فيها الدّجالُ وأتباعُه أعضاءهم الملتهبة.

45 ـ ولا يمكن لهم أن يحبّوا المرأة؛ ذلك لأنّهم يكرهونها في العمق.

46 ـ فكيف لي أن أستمرَّ في مجادلته وهو يمسك بعصا المُسلّمات باليمين، وبسيف التكفير بالشِّمال؟

47 ـ وفي اجتماع بين ذكور في المقدّمة، ونساء في المؤخرة؛ قال للمرأة:"من حقّك أن تتزوجي وأنت طفلة؛ أن تتركي العبادات عند الحيض لأنّك نجاسة، أن تطلبي نفقة الأولاد وحق المتعة بعد أن يطلِّقك زوجُك، أن ترثي نصف ما يرث الرجل لأنّه قائمٌ عليك، أن تشهدي أمام القضاء بنصف شهادة لأنّك ناقصة عقل، أن نضربك لأن الشيطان قرينك، ولأن بالضرب نحررك منه؛ ومن حقّك أن نمنعك من التسلّح لأنك عاطفية ولا تقدرين على القتال، أن نحزّمَك بالحزام الناسف فتكوني شهيدة، أن نستغفر الله لك لأنّك أنتِ من أخرج آدم من الجنّة... فهل بعد كلّ هذه الحقوق تدّعين أننا لا نعطيك حُقوقا؟

48 ـ بعد هذا الكلام، رأيتُ المرأة تسبُّ المرأة بسباب الرجال.

49 ـ خلف كلّ امرأة عظيمة، دجّالٌ حقيرٌ يجرُّها إلى الخلف.

50 ـ ورأيتُ "سيدي" يُرغمُ نساءَه وبناتِه على الخروج إلى الشارع من أجل المطالبة بسلب حقوق "النساء والبنات"... المسكينات!

51 ـ وفي صلاة مّا، سمعتُه يدعو:"الحمدُ لك لأنّك لم تخلقني امرأة"... الجاهل!

52 ـ وكان قد أمر بقتل أحد الروائيين العرب. لماذا؟ لأن الروائي يحرر عقول الناس بالخيال البنّاء، ويسلِّحهم بسلاح السؤال والمعارضة.

53 ـ ومع ذالك كتب رواية، ولكنّها تحوّلتْ في الحين إلى خطبة جمعة.

54 ـ عندما تصرخ المرأة لأجل المطالبة بحقوقها، يصرخ أبو لحية الدجّالُ في وجهها:"أخفضي صوتَك يا فاجرة!"

55 ـ يحبُّ الدّجّالُ أن تقلِّدَ المرأةُ صوتَها بصوت الرجل، لكنّه يكره أن تدلي المرأة بصوتِها في الانتخابات السياسية.

56 ـ كما يحبُّ أن يسكنها بيوتاً لغوية عامرة بالصور البلاغية ولو كانت بيوتاً قذرة؛ فيقول لها:"بيتُك مملكتُك... سريرُك عرشُك... زوجك ربّك... قبرُك جنّتُك...

57 ـ والله لو كنتُ امرأة لنتفتُ لحيةَ الدّجّال.

58 ـ أنهتْ صلاتَها وشكرتْ ربّها الذي في السماء:" الحمد والشكر لك لأنّك خلقتني امرأة". فتملّك الرعبُ أبا لحية.

59 ـ ذلك لأنّ على عينيه حجاب؛ حجابُ تأويله الجاهل للنصوص المقدّسة.

60 ـ قبل أن أترك الجماعة، اصطحبني إلى البلدية، ورأيتُ كيف دسَّ في يدِ المسؤول حفنة من الأوراق النقدية لأجل أن يمنحهُ ترخيصاً لاستغلال جماعية. فقال لي:"ليست هذه رشوة، بل هي هدية".

61 ـ وبعد أن تركتُها أرسل لي من يقول:"لتكُنْ مثل القرود الثلاثة؛ تلك التي لم تر، لم تسمع، ولن تتكلّم.

62 ـ ويا أ الله عندما ألّفتُ كتاباً عن ضرورة مراجعة التراث بقراءة عصرية... ماذا فعل؟ ... كفّرني وطلّق زوجتي بدعوى أنّها منه وليستْ منّي.

63 ـ ولمّا ألّفتُ رواية بأسماء وبأحداث معروفة في عقيدتنا، سمّاني "ذي إيڤـْل" وأفتى بإراقة دمي.

64 ـ أتذكّر لمّا مرضتْ طفلتي، وذهبتُ إلى إخواني الملتحين طلباً للدعم المالي من أجل إجراء عملية جراحية لقلبها الصغير؛ فقال لي كبيرُهم:"لو أنّك كنتَ منّا قديما، ولو لمْ تكن سكّيراً سابقاً، لكان في حوزتك المالُ الذي تطلب... ما ساعدوني وأنا في أمسّ الحاجة إلى المساعدة. فذهبتُ إلى "رفاق السوء القدامى" اللذين ـ في طرفة عين ـ جمعواْ لي المال المطلوب وأكثر... ومن دون قيْد أو شرط.

65 ـ الحقّ يُقال:ذكر الله في الخمّارات، فعل الخير فيها، طلبُ المغفرة، مساعدة الإخوان، تحصين الأوطان، حقن الدماء؛ أكبر وأدْوَم فيها مقارنة بما يحدث في "بيت" الدجّال.

66 ـ عمري الآن ستون سنة؛ أضعتُ منها عشرة في الرضاعة واللعب، وعشرة في المعتقد، وعشرة في المعتقل، وعشرة في الإيمان المتطرف، وعشرة في الحيرة، وعشرة في النقد الذاتي...

67 ـ وأنا على حافة القبر أدعو:"يا أ الله، لا تجعلني من الظالمين!"

68 ـ لا ظلم أسوأ من تبرير الظلم.

69 ـ ولا بُدَّ لي من أن أعبدَ الرحمان؛ لأنّني مسلمٌ في الأعماق وبالوراثة؛ ولأنّني كائنٌ ضعيف ليستْ له القدرة على إدراك الحقائق الكونية.

70 ـ ومِن نُتفِ لحية الدجّال صنعتُ سجّادة لمْ تستقمْ لي عليها أيّة صلاة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى