

نهر الياسمين
وطني يا نبع الأبدية المتدفق في جسد الزمان، يا قصيدة عشق خطتها أنامل ملائكية، يا نهر الياسمين الثائر على آلهة الجمال.
في عيني محبوبتي أراك ، في الستائر القمرية التي تداعب نافذتي ، في غربة الثواني التي أحصيها على سريري المثقل بصور طفل يسابق أمواج السماء .
هذه الليلة حبلى بالثواني عسيرة المخاض ، أجوب بعيني الغارقتين ببحر الحزن في أرجاء غرفتي وكأني أرى على كل جدار صورة ، هنا أرى أشرعة من النرجس البري تجوب البراري وتخترق أسدلة الصمت المرمية في ثنايا الغرفة ، هنا أرى غابات من الوجوه التي تحمل في تجاعيدها أنشودة – بلادي ، هنا أرى لوحة رسمت بالدموع لعلمي الغالي ، هنا وهنا وهنا ......
تركت غرفتي وأمواج الإشتياق المتلاطمة فيها وركبت سيارتي أجوب الشوارع باحثا عن شيء ما ينشلني من النكد المرير القابض على قلبي العاصر له.
ما هذا ؟ هذا الشارع يشبه شارعا في وطني ، هذه النسمات شربت مثلها تحت دالية العنب الملقاة على سور حديقتي ، هذا الضوء المنبعث من المجهول لامسته في تلك الليالي على تلك النافذة التي كنت أجالس فيها صوت أم كلثوم ، هذا وايضا هذا وذاك ......
لا استطيع ، لا أستطيع أن أدفع اللحظات أن تمر دون أن تلامس ذكراك يا وطني ، لا أستطيع أن أقبض الانفاس الثائرة المشتاقة لثغر نسيمك الناشر لأريج رائحة ترابك يا وطني ، لا أستطيع ، لا أستطيع .
وقفلت عائدا الى غرفتي ، فقدر علي أن أحزن وقدر علي أن أشقى وقدر علي أشرب المر في كؤوس الغربة يا وطني يا وطني يا وطني .