لو كنت في زمن النبي: هل ستؤمن؟
طرح الدكتور علي الوردي، عالم الاجتماع والمفكر العراقي الشهير، سؤالاً جدلياً في إحدى مؤلفاته -وعاظ السلاطين أو مهزلة العقل البشري على ما أعتقد- وقد استغرق مني هذا السؤال سنوات من التفكير وتدبرته ليالٍ طويلة.
جميعنا يحكم على أبي جهل وأبي لهب وعتبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة وغيرهم من سادات قريش وحكمائها بالحمق فقد كان النبي بين أظهرهم وكفروا به صراحة، ولسان حالنا يقول: "لو كنا في الزمن النبي لما حذونا حذوهم ولآمنا به منذ أن جهر بدين الحق".
ينكر الدكتور علي الوردي هذه الفرضية الساذجة ويوجه سؤالاً قوياً للقارئ قائلاً: "لو كنت في ذلك الزمن، تعيش في مجتمع قريش وتعبد الأصنام كما يعبدون، ثم سمعت بالنبأ الذي جاء به النبي الكريم، فأوغر في صدور القوم عداءً مقيماً لما كان فيه من تسفيه لإرث الآباء وأحلامهم، فحملهم على قتال النبي وتعذيب أتباعه، فهل كنت ستؤمن وتصبر على الأذى؟ أم كنت ستؤثر السلامة وتبقى على ما وجدت القوم عليه؟"
ثم يضيف الدكتور علي الوردي قائلاً: "إذا كنت تتوقع أنك ستؤمن منذ اللحظة الأولى، فإنني أدعوك إلى التفكير ملياً في إجابتك"
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال دون قراءة تاريخ الدعوة الإسلامية من منظور محايد، وتدبر أحوال الناس في ذلك الزمان، فالعبيد والموالي على سبيل المثال كبلال بن رباح وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر أسلموا في ظل ظروف اجتماعية صعبة، فليس لهم نسب يعصمهم ولا مال يستعينون به ولا حرية ينعمون بها، وكان اختيارهم للإيمان مرتبطاً بشجاعتهم وصبرهم في مواجهة هذه التحديات. ولا يستطيع أحد أن ينتصر على من ليس لديه ما يخسره مهما كان قوياً، وهو ما يفسر انتصار بلال بن رباح على سيده أمية بن خلف الذي عذبه حتى كاد أن يهلك لولا أن اشتراه أبا بكر واعتقه.
أما شيوخ قريش فقد اختاروا البقاء على دين آبائهم وهو شأن الكبار في تفضيلهم للقديم التليد على الجديد الطارف، على خلاف أبنائهم الشباب الذين يرغبون بالجديد وينبذون القديم، ولذلك، وجدنا أن معظم الأبناء قد اتبعوا النبي الكريم أما الشيوخ فقد أقاموا على عداوته. ناهيك عن بني هاشم التي كانت في حيرة من أمرها فهي بين الرغبة في نصرة النبي للدم والرحم، والخوف من بطش العرب وأبناء عمومتهم بهم.
وقد استغرق هذا الأمر ثلاث عشرة سنة ليصبح الإسلام دولة وكياناً قوياً في يثرب، ثم تلاها عشر سنوات قبل أن ينتهي الأمر بانتصار ساحق للنبي الكريم الذي دخل مكة بعشرة آلاف مقاتل ودانت له بعد أن كان في بداية الأمر وحيداً يدعو الناس إلى الإسلام سراً ولقي هو وأتباعه من قريش ما يكرهون.
يختصر المشهد السابق جزءاً من التعقيدات التي كانت في تلك الفترة، وتوضح أن الحكم على الماضي من منظور الحاضر يُعدّ ضرباً من الحماقة، فيقول قائل، لو أدركت ذلك الزمان لفعلت كذا وكذا، ولعله لو رأى العبيد والموالي وهم يعذبون في بطحاء مكة لسجد إلى الأصنام خوفاً وتقيةً من أن يبطش به سادة قريش! أو لو شهد بدراً ورأى أصحاب النبي يشاهدون آبائهم وإخوانهم وأبناء عمومتهم يتساقطون بسيوف رفاقهم لراعه المشهد وقال للنبي الكريم: "لن أؤمن بك فعشيرتي أولى بالبر منك يا محمد".
تخيل نفسك في القرية التي نشأت فيها، قرية قديمة يعرف الجميع بعضهم البعض، لكنها ليست مثالية؛ هناك فوارق طبقية واضحة، بعض العائلات غنية وتسيطر على أغلب الموارد، والبعض الآخر فقير يكافح كل يوم لتأمين لقمة العيش، وهناك عادات صارمة تحكم العلاقات بين الناس، تجعل المصلحة الشخصية والجاه أهم من العدالة أو المبادرة الجماعية.
فجأة، يظهر شخص من أهل القرية، ليس غريباً عن المكان، لكنه مختلف في فكره وقوته الداخلية. يبدأ بدعوة الناس إلى إصلاح شامل للقرية؛ مواجهة الظلم الاجتماعي، وإعادة توزيع بعض الموارد، ومنح الفئات الأقل حظاً صوتاً أكبر، وإلغاء بعض الممارسات التي تعزز الطبقية والامتيازات القديمة.
ستنقسم القرية تنقسم فوراً، وتتحدد خيارات كل فرد بحسب موقعه في المجتمع وظروفه الشخصية؛ بعض الشباب يتحمسون للفكرة الجديدة، ويريدون التغيير رغم المخاطر، ويعتبرون الأمر فرصة للعدالة وتجربة شيء أفضل. في المقابل، سيشعر كبار السن وبعض الشخصيات المهيمنة على القرية بالغضب والخطر، ويرفضون أي تهديد لنفوذهم ومكانتهم، ويحاولون إقناع الآخرين بالتمسك بالعادات القديمة.
وهناك فئة ثالثة، وهي غالباً الأكثرية، تراقب بحذر، وتلتزم بالحياد خوفاً على سلامتها، فلا تقف مع الجديد ولا تدافع عن القديم. أما فئة قليلة، تتسم بالشجاعة، فتشارك بحماس كامل، غير مبالية بالعواقب.
بالنتيجة؛ تتحول القرية المستقرة إلى ساحة صراع اجتماعي حقيقي. ولا شك أن إجابتك مرهونة بموقعك في المجتمع وظروفك الشخصية لو كنت في ذلك الزمان؛ فاختيار الفرد يتأثر بما يملك وما يخسره، وبقوة علاقاته وأمانه الاجتماعي.
الآن، ضع نفسك في هذا المشهد؛ ولدت في تلك الفترة، وشهدت النبي وأنت في مجتمع مكة كما أنت الآن في مجتمعك الحالي، بنفس الظروف والمكانة الاجتماعية، فماذا ستصنع؟ هل ستغامر وتدافع عن الحق؟ أم تختار الحياد؟ أم تبقى على القديم حفاظاً على سلامتك؟
قد تبدو المسألة بسيطة، لأنك مسلم في زمن بلغ فيه الإسلام أصقاع الأرض، لكن واقع الناس في مكة في ذلك الزمان ليس كذلك، حيث كان الإسلام في بداياته، وكان قرار الإيمان محفوفاً بالمخاطر.
يبقى السؤال الذي طرحه الدكتور علي الوردي أكثر من مجرد سؤال فلسفي، فعندما يكون المرء محايداً ويختبر ذهنياً صفحات التاريخ وأحداثها الاجتماعية العظيمة، يصبح التأمل في التاريخ أعمق من قراءة عابرة لأخبار السابقين، إذ يمنح القارئ جناحين ليسافر إليهم عبر الزمن وينظر إلى اختياراتهم وأعمالهم عن قرب، من منظورهم في زمانهم لا من منظوره في موقع آمن خارج التجربة مطلقاً الأحكام المسبقة عليهم.
حين نقرأ التاريخ بهذه الطريقة، يصبح اختباراً حقيقياً لأنفسنا، ويضعنا وجهاً لوجه مع ذواتنا، لنرى من نحن حقاً حين تُختبر قيمنا ومبادئنا في المواقف العصيبة!
