الرعب الوجودي؛ بين الأدب والفلسفة
يقول الأديب والشاعر محمد الماغوط:
"لقد صارت قدماي جزءاً من الأرض
وشرفتي جزءاً من السماء
وكل ما كتبت صار في ذاكرة الناس
وهكذا انتصرت على الموت
الذي طالما حذرتني منه
دون أن أصاب بخدش
أو أفقد قلامة ظفر"
ومن يعرف الماغوط يتعجب من مقالة كهذه، لرجل لم يفارقه الخوف منذ ولادته حتى آخر زفير خرج من صدره في عام 2006؛ عقود من الخوف والمطاردات، ليالٍ تعد ولا تحصى خلف القضبان. وقد كتب في موضع آخر:
"فليذهب القادة إلى الحروب
والعشاق إلى الغابات
والعلماء إلى المختبرات
أما أنا
فسأبحث عن مسبحةٍ وكرسيٍ عتيق...
لأعود كما كنت،
حاجباً قديماً على باب الحزن
ما دامت كلّ الكتب والدساتير والأديان
تؤكد أنني لن أموت
إلا جائعاً أو سجيناً"
ومن يقرأ للماغوط يرى حزناً كبيراً يتكرر بصور مختلفة كما في النص الأخير. ورغم كل هذه المعاناة، إلا أن الحزن الطويل واليأس المقيم لم يتمكنا من التغلب على قلقه الوجودي في هذه الحياة، وكانت طريقته في التعامل معه هي الكتابة ليبقى خالداً في وجدان الناس حتى بعد فناء جسده.
شيء من التأمل، يفضي بنا إلى عمق معضلة الفناء، إذ يعيش الإنسان في كل العصور والأزمان رعباً وجودياً يتمثل في وعيه بحتمية الفناء، وتتنوع استجابات الناس في معالجتها، ويميل معظم الناس إلى الأديان التي تطمئن الإنسان بوجود الإله كقوة عليا مطلقة تحمل عنه ما ناء بحمله، وتقدم له وعوداً بالاستمرار بعد الموت أو العودة إلى الحياة بقميص جديد!
ولكن، ماذا يصنع أولئك الذين لم يستطيعوا الاحتماء بمظلّة الدين؟
هؤلاء، في الغالب، لا يجدون أمامهم سوى مواجهة الفراغ وجهاً لوجه، دون وسيط، ودون وعد مؤجل بالخلاص. إنهم يقفون أمام حقيقة عارية؛ أن الحياة مؤقتة، وأن كل ما يُبنى فيها مهدد بالزوال. وهنا يتشعب الطريق؛ فبعضهم يسعى إلى تعويض هذا الفراغ عبر "مشاريع الخلود"، كما يصفها عالم النفس الأمريكي إرنست بيكر؛ حيث يحاول الإنسان أن يثبت وجوده من خلال أثرٍ يبقى؛ كتاب، أو فكرة، أو إنجاز، أو حتى ذكرى عابرة في ذهن الآخرين. وهذا ما يمكن أن نلمسه في تجربة محمد الماغوط، الذي حوّل خوفه المستمر إلى كتابة، وكأنها درع رمزي في وجه الفناء.
غير أن هذا المسار لا يخلو من إشكالية عميقة؛ إذ إن التعويل على الذاكرة البشرية يحمل في طياته هشاشة لا يمكن تجاهلها. فالذاكرة نفسها عرضة للنسيان والمحو، بل وربما لإعادة التشكيل. ولعل قارئ هذه الكلمات ككاتبها قد واجه الموت في ذاكرة من أحبهم يوماً وأحبوه، وهو يتنفس ويأكل ويشرب ويمشي في الأسواق، ولكنه ميّت في صدورهم!
وهكذا، يصبح الخلود الذي يسعى إليه الإنسان احتمالاً أكثر منه يقيناً، ووعداً معلقاً على وعيٍ بشري زائل بطبيعته. نواجه في هذا الموضع سؤالاً حرجاً؛ إذا كان الخلود عبر الأثر غير مضمون، فلماذا نتمسك به؟ ربما لأن البدائل أكثر قسوة!
في المقابل، يمكن النظر إلى مواجهة الفناء عند الشاعر محمود درويش من منظور مزدوج؛ فمن جهة، يمكن قراءة بعض قصائده، وخصوصاً "تُنسى كأنك لم تكن"، في إطار فلسفي عدمي، إذ تعكس وعيه بأن الحياة والذاكرة البشرية زائلة، وأن كل محاولة لترك أثر دائم معرضة للفناء. من هذا المنظور، فإن النسيان ليس مجرد غياب للذكرى، بل تذكير بحدود الوجود وغياب أي ضمان للخلود البشري.
ومن جهة أخرى، يمكن قراءة نفس القصيدة على أنها تحرر من عبء الامتداد القسري في ذاكرة الآخرين، كما يظهر في قوله: "فأشهد أنني حرّ وحيّ حين أُنسى". هنا يتحرر الإنسان من القلق المستمر على الأثر الذي يتركه، ويصبح وجوده أكثر صدقاً وحرية، دون أن ينفي قيمة الحياة ذاتها.
تتناغم هذه الرؤية مع واقع محمود درويش بين وطن مسلوب ومنفى أبدي، كما تتفق رؤية الماغوط مع واقعه بالاغتراب في وطنه.
بالعودة إلى رؤية محمود درويش، نجد أن هذا التصور يلتقي مع الطرح الوجودي للفيلسوف الألماني مارتن هايدغر، الذي يرى أن القلق الناجم عن وعي الإنسان بنهايته هو ما يمنحه القدرة على عيش حياة أكثر أصالة، لا أكثر دواماً.
ويذهب الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو أبعد من ذلك في فلسفته حول العبث التي تستشهد بالأسطورة اليونانية سيزيف؛ وهو ملك يوناني حكمت عليه الآلهة بدفع صخرة إلى أعلى جبل وكلما وصلت إلى القمة تسقط إلى الأسفل فيدفعها مجدداً إلى الأبد. وعلى الرغم من عبثية حياة سيزيف التي تشبه حياة أي إنسان فلا يدعو كامو إلى اليأس، بل إلى نوع من التمرد الهادئ؛ أن يعيش الإنسان رغم عبثية المصير، لا طلباً للخلود، بل لأن الحياة، في ذاتها، تجربة تستحق أن تُعاش.
وهنا تنكشف المفارقة في أقسى صورها؛ فالإنسان الذي يسعى إلى الخلود قد يقع أسيراً له، والإنسان الذي يتخلى عنه قد يواجه فراغاً لا يحتمل.
ولعل هذا ما يفسر ذلك التوتر العميق بين صوتي الماغوط ودرويش؛ فالأول يتمسك بالأثر كنجاة أخيرة من الفناء، بينما الثاني يتحرر منه كقيدٍ خفي.
فليست المشكلة في اختيار أحد الطريقين، بل في المقايضة الحرجة بين المكاسب والخسائر، فمشاريع الخلود تمنحنا معنى، لكنها قائمة على وهم هش، وقبول الفناء يحررنا، لكنه قد يسحب من الحياة دوافعها.
وبين هذين الصوتين، يبقى الإنسان معلقاً بين حاجته لأن يُذكر، وخشيته من أن يُختزل، بين رغبته في البقاء، ووعيه بأن كل بقاء مؤقت. وربما لا يكون السؤال الحقيقي: كيف ننتصر على الموت؟ بل: كيف نحيا ما تبقى من أيامنا قبل أن يهزمنا الموت؟
