الثلاثاء ١٠ شباط (فبراير) ٢٠٢٦
بقلم عارف محمد نجدت شهيد

الحب في عالم لا يعرف الأبد

حقيقة الفناء؛ هي أقدم جرح في النفس البشرية، نحمل عبء هذه الحقيقة كما حملها أسلافنا منذ بدء الخليقة في كل زمان ومكان؛ الإنسان البدائي بالكهوف، وفراعنة مصر، والجنود الرومان، وقبائل العرب، والهنود الحمر، والمحاربون اليابانيون، والقائمة تطول.

حياة قصيرة لم نخترها وستنتهي رغم أنوفنا، سننثر التراب على وجوه من أحببنا ونحمل أجسادهم على أكتافنا، ثم سنموت أمام أعينهم بكل ضعف وانكسار.

وإن أعظم مصيبة في الموت هي تحييد قدراتنا الإنسانية التي تمكننا من التفاعل مع المحيط وكسر قيود العزلة.

لا أقدر على تقبّل مصيري المحتوم في باطن الأرض ألتحف ترابها وحيداً، بجسدي ومشاعري وأفكاري، فماذا أصنع؟

انغمست في الجماعات الإنسانية، جلست بين الضاحكين طويلاً دون أن أعرف ما الذي يضحكهم. اعتنقت أفكارهم وامتثلت لقوانينهم وأعرافهم، وذرفت الدموع في أفراحهم وأتراحهم، وكلما اقتربت منهم ابتعدت عن نفسي حتى ذبت فيهم كما يذوب الملح في البحر، ووجدتني وحيداً وأنا محاط بهم وبين أظهرهم!

ثم أطفأت عقلي بكؤوس توقفت عن عدّها، كان كل كأس وعداً صغيراً بالنسيان، وكل رشفة محاولة يائسة لتأجيل الوعي. يتلاشى الكون قليلاً، ثم يعود أثقل مما كان، وكأن الألم يغضب حين نهمله، فيعود إلينا مضاعفاً.

ملأت وقتي بالعمل الدؤوب، أركض في سباق لا نهاية له، يخدّرني التعب فلا أشعر بالوقت، ولا أدرك شيئاً حولي، ثم أعود إلى الوحدة كل مساء وأصارعها حتى صباح اليوم التالي.

ثم فكرّت في العمل الإبداعي؛ التسامي كما يعرفّه علم النفس، ولكنني لا أجيد الرسم، ولا الغناء، ولا العزف، تأملت طويلاً وكتبت الكثير، وكلما ظننت أنني اقتربت من الغاية أجدها بعيدة بعد المشرق عن المغرب. أقبلت على الكتب لعلّي أجد فيها باباً سرياً يقودني إلى السكينة، فكانت تؤنسني وترتب الفوضى التي بداخلي، وما إن أغلق الكتاب حتّى تتبدد الألفة سريعاً، وكأنّ الكلمات كانت ضوءاً مؤقتاً لا يبقى بعد انطفاء الصفحة الأخيرة، لقد قرأت حتى تجردت من أوهامي ولم أجد في الكتب بديلاً عنها!

طرقت أبواب السماء، لا بيقين العارفين، بل برجاء المتعبين. وقفتُ مستسلماً في خلوات الليل، كانت تمرّ بي لحظات سكونٍ قصيرة لكنّها صادقة، وكأنّ الروح تتنفّس لثوانٍ بعد اختناقٍ طويل، لكنّ قلبي المثقل بالشكوك والرجاء معاً، لم يعرف كيف يستقرّ تماماً، حاولت أن أؤمن كما يؤمن البسطاء بسلام، لكنّني بقيت معلّقاً بين نداء السماء وثقل الأرض!

حملت تلك الهزائم والخيبات، وسرت بها مثقلاً لسنوات طويلة، ثم جاءت منى فجاء الحب!

ظننت الحب وهم من أوهام البشر، حيلة جميلة ابتكرناها لنزيّن طريقنا نحو الفناء، فكيف لهذه الفتاة الرقيقة أن تقف بوجه حقيقة صلبة كالموت؟ هل ستمنح ما تبقى من عمري الضائع معنى حقيقياً؟

حين أحببتها، لم يختف الخوف ولكنه تغير، كانت كل ابتسامة من شفتيها نجمة خافتة في سماء قلبي المظلمة، وكلما نظرت إلى هذا الضوء أسأل نفسي؛ هل سأقوى على الفقد والغياب؟ هل سأرى اسمها في قائمة الخسارات الطويلة؟
رحلت منى، وتركت وراءها فراغاً بحجم الكون، كانت عموداً خفيّاً يحمل سقف روحي، وحين غابت، لم يسقط السقف دفعة واحدة، بل بدأ يتصدع ببطء.

صار العالم موحشاً، والليالي طويلة، والوحدة جحيم لا يُطاق. نعم، هُزمت في معركة الفناء، وأخوض الآن معركة أشدّ تدور رحاها في جوفي؛ بين قلبٍ يتمنى المستحيل ويرفض الفقد، وعقلٍ يدرك أن كل الدروب إليها سُدّت للأبد! ولن يطول الأمر حتى ينتصر أحدهما على الآخر، ثم يأتي الموت فيهزم المنتصر فيهما.

كانت منى عطاءً عظيماً لو حُرمت الجنة لحصولي عليه في الدنيا لكان عدلاً، ولو كان أبدياً لهزمت الفناء بها، ولكنها لن تكتسب معناها بالخلود، فالموت يمنح الأشياء قيمتها ويجعلنا أحرص على اللحظة الهاربة كما لو كانت آخر ما نملك من هذا العالم.

الآن فقط، أدركت أنني لم أُهزم حين غادرتني منى، بل حين حاولتُ أن أجعل منها خلاصاً أبدياً في عالمٍ لا يعرف الأبد، كانت منى عطيةً خاطفةً مرّت في عمري كما تمرّ نسمة دافئة في ليلةٍ باردة.

وحسبي أنني عشتُ زمناً قصيراً كنت فيه حيّاً بما يكفي لأحب، وأتألم، وأدرك أنني، ولو لمرة واحدة.. لم أكن وحيداً في هذا العالم!


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى