جناب المختار
على أطراف مدينة بعيدة عن العاصمة بُعد إبليس عن طاعة ربه، تمتد قرية "الساقية" المهمشة التي ليس لها حظ من اسمها ولا من الحكومة ولا من الزمن. تعاني القرية من شحّ في المياه والطاقة الكهربائية، أما سكانها البسطاء الذين يقطنون في منازل متهالكة، يتقلبون بين نعيم الجهل وعذاب الفقر، ومع ذلك، يدركون جيداً أنهم خارج حسابات الجميع، ويطغى على نفوسهم البريئة شعوراً بأنهم فائض بشري في عالم لا يعترف إلا بالقوي والغني.
إذا دخلت القرية، شعرت بأنك تمشي في شارع مزدحم في الصين، وكأنهم نسخ مكررة من قالب واحد، اللهم إلا رجلين، المختار أبو حمدي، وخصمه اللدود جابر.
أما أبو حمدي، فهو رجل بدين، كثّ الشارب، في العقد السادس من العمر، طيّب القلب لا يختلف عن أهل القرية في صفاته السمحة، ولكن الأقدار التي صعدت به إلى كرسي المخترة خلقت شعوراً عالياً بالاستحقاق. كان احترام الناس له الوقود الذي يبقي صورته عن نفسه حيّة؛ فهو لم يعد مجرد رجل عادي… بل "جناب المختار".
أما جابر، فكان في منتصف الأربعينات، متوسط القامة، بشعر خفيف ولحية سوداء غزاها الشيب. يعيش مع والدته الأرملة بعد طلاقه، يعمل معلّماً لمادة الرياضيات، يقتات من التدريس ما يكفيه ذل السؤال، ويقضي معظم وقته في مقهى القرية. كان مستمعاً بارعاً، لا يتكلم إلا عند الضرورة، وتعليقاته الساخرة تصيب جوهر الأمور دون ضجيج.
اعتاد أهل القرية الرجوع إلى المختار في كل شأن؛ نزاع على شجرة، دجاجة ضائعة، خلاف عائلي أو مالي. يجلس المختار معهم في ديوان المخترة كقاضٍ شعبي لحلّ النزاعات ثم يروي بطولاته مساءً في المقهى.
أما جابر، فلم يكن يكره المختار، بل كان يرى فيه رجلاً هشّاً احتمى باللقب ليخفي انكساره.
في ليلة صيفية، اجتمع رجال القرية في المقهى. جلس جابر في زاويته يحتسي الشاي بصمت. دخل المختار رافعاً عصاه قليلاً وقال بصوت مهيب: "مساء الخير يا رجال."
وقف الجميع احتراماً… إلا جابر، الذي ارتشف من كأسه وقال مبتسماً دون أن ينهض: "أهلاً يا أبا حمدي."
نظر المختار إلى جابر بغضب وقال بحدّة: "تعلمت الرياضيات ولم تتعلم الوقوف لمن هم أكبر منك سنّاً؟".
اتكأ جابر على الطاولة وقال بنبرة ساخرة: "أخذتني الهيبة يا أبا حمدي ولم تحملني قدماي، فالعفو يا مولاي".
رفع المختار عصاه وهو يحدّق بجابر قليلاً وقال: "ما فعلته لا يليق بك يا ولدي"
ابتسم جابر ابتسامة هادئة وقال: "أنت ترى احترامي لك في قدمي وأنا أراه في قلبي، إنه موجود على كل حال." وأشار بإصبعه إلى قلبه.
تنهد المختار وابتسم ثم قال بنبرة أقل غضباً: "ابق جالساً إذاً، وسأجلس أنا أيضاً".
وفي الليلة التالية، وبينما كان الرجال جالسون في المقهى كعادتهم، دخل الحلّاق عامر إلى المقهى متوتراً، توجه إلى طاولة فارغة وجلس أمامها ولم ينطق بكلمة.
تبادل الرجال نظرات القلق، وشعروا بالارتباك، ثم كسر المختار حلقة الصمت بصوته الجهوري فقال: "ما الخطب يا عامر؟". لم يجب الرجل، ونهض متوجهاً نحو جابر، وجلس قبالته ثم قال: "أستاذ جابر، أريد أن أستشيرك بمشكلة."
رفع جابر عينيه ببطء عن كأس الشاي، وكأنه فوجئ أكثر من الحاضرين أنفسهم. لم يكن معتاداً أن يُسأل أمام الجميع، ولا أن تُطلب كلمته قبل كلمة المختار. قال الرجل وهو يحرّك سبحته بعصبية: "اختلفنا أنا وشقيقي على أرض ورثناها عن أبي، اقترح المختار عرضها للبيع ولكنني لا أرغب بذلك."
ساد صمت ثقيل في المقهى، وتوجهت الأنظار تلقائياً نحو صدر المجلس حيث يجلس أبو حمدي. كان المختار يحكّ شاربه ببطء، ينتظر أن يُعاد السؤال إليه كما جرت العادة. لكن عامر بقي ينظر إلى جابر.
تنحنح جابر قليلاً وقال: "كم مساحة الأرض؟" فأجابه عامر.
بدأ جابر يسأل أسئلة دقيقة، كأنه يحل مسألة رياضيات لا نزاعاً عائلياً، ثم رسم خطوطاً على الطاولة بإصبعه، ثم قال بهدوء: "المشكلة ليست في القسمة، وإنما في استعجالكم الحلّ، يتطلب القرار العادل فهماً قبل اتخاذه."
توسعت حدقتا المختار وكأن كلام جابر اعتراضاً مباشراً على سلطته، إذ أصابت كلمات جابر حكمه السابق في الصميم.
استمع الرجال باهتمام، وأخذوا يناقشون الفكرة فيما بينهم. بعد دقائق، نهض عامر وظهرت ابتسامة واسعة على وجهه، وشكر جابر بلطف، وقد بدا مرتاحاً أكثر مما كان عند دخوله.
في تلك اللحظة شعر أبو حمدي بشيء غريب؛ وكأن شيئاً يُسحب من تحت قدميه دون ضجيج. أما جابر، بدأ يشعر بقوة السلطة تتدفق في داخله، ولكنه استمر في احتساء الشاي محاولاً قمع هذا الشعور فلا يظهر على صفحات وجهه.
ثم تكرّر المشهد لأيام لاحقة، وأقبل الناس على جابر لاستشارته في كل صغيرة وكبيرة، وكأن النهر قد غيّر مجراه، خلال أيام قليلة، صار جابر الوجه المرجعي لسكان القرية، حتى أن طاولته في المقهى لم تعد تتسع للمترددين. لم يدّعِ منصباً، ولم يطلب الاحترام، لكنه منح الناس شيئاً لم يعتادوه؛ الإصغاء دون استكبار.
حاول المختار تدارك هذا الخطر فوقف في المقهى وقال بصوت جهوري: "هذه الأمور مكانها ديوان المخترة."
أجابه أحدهم بلطف حذر: "قُضي الأمر يا مختار، كنا نتشاور فقط."
شعر المختار بأن الكرسي الذي رفعه سنواتٍ صار يسحبه إلى الأسفل. خرج من المقهى بخطوات ثقيلة متوجهاً إلى الديوان، اتكأ على الطاولة ووضع طربوشه عليها، نظر إلى المقعد الكبير أمامه. تنهد وقال لنفسه بصوت أقرب للهمس: "من أكون إن لم أكن المختار؟"
مرّت دقائق من الصمت المؤلم، ثم شعر بألم حاد في صدره، وكأن أحدهم أمسك قلبه واعتصره بقوة، جحظت عيناه من شدّة الألم وحاول التنفس بصعوبة، ثم سقط جسده على الأرض بلا حراك!
في صبيحة اليوم التالي، تجمهر الناس حول ديوان المخترة، يقف جابر وعدد من رجال القرية أمام جسد المختار المسجّى على الأرض، علت صيحات السكان وهم يواجهون الفراغ الذي سدّه أبو حمدي لعقود من الزمن، الجميع في قلق، يفكرون بمن سيخلفه، ولا يلقون بالاً للرجل الذي ينتظر الدفن.
أما جابر، فكان ينظر إليه بصمت، يتذكر سنوات من الجدالات والمواقف الطريفة والحادّة التي جرت بينه وبين أبا حمدي، اقترب من الجثمان وقال هامساً: "لقد عادوا إليك كما كنت ترجو، ولكنهم تأخروا!"
اقترب أحد الرجال وأخذ الطربوش من فوق الطاولة ووضعه على رأس جابر وقال بصوت حازم: "أستاذ جابر.. أنت المختار الجديد للقرية".
علت صيحاتهم مجدداً مؤيدين لهذا القرار، وانهالت عبارات التطبيل والتمجيد على جابر الذي بدا مذعوراً من هول الموقف، يتأمل أبا حمدي الذي لم تشفع له سنوات خدمته لهم في أن يحملوه إلى المقبرة، وأدرك حجم الخوف الذي يسيطر على سكان القرية، والذي تغلّب على كل المشاعر التي تظهر في مثل هذه المواقف، فلو رأى المرء كلباً طريحاً لهبّ لنجدته، ولكنه الخوف، أعمق شعور في النفس البشرية، وأشد أصنافه على النفس الخوف من المجهول.
شعر جابر بوزن التوقعات الثقيلة، وكأن القرية تنتظر منه المعجزات، وتدافعت قوّتان عظيمتان في صدره تدافعاً عنيفاً؛ حقيقة عجزه عن تغيير الواقع وإغراء السلطة، فماذا يصنع؟
تنهد جابر ثم التفت إلى الرجال وقال لهم بصوت حازم: "احملوا جثمان المختار إلى المقبرة، الآن". سارع الرجال على الفور إلى حمله دون نقاش، ثم التفت جابر إلى السكان وقال لهم بهدوء: "انصرفوا الآن من فضلكم".
انفضّ الناس في لحظات وبقي جابر في الديوان يصارع جدرانه التي أوشكت أن تتهاوى فوق رأسه.
مرّت أيام قليلة على تولّي جابر منصب المختار، وكان يشعر بثقل الدور، ولكنه لاحظ شيئاً غريباً بداخله.
في أحد الأيام، بينما كان يسير في الشارع الرئيسي للقرية، توقف بعض الرجال لتحيته بحرارة، وبدأوا يسردون له مشاكل صغيرة؛ جرة مياه مكسورة، دَين تأخر سداده، خلاف على قطعة أرض صغيرة. جلس جابر على المقعد أمامهم، واستمع لهم بهدوء، ثم شعر بشيء يختلج بداخله؛ شعور غريب بالرضا.
رفع رأسه قليلاً وقال لهم: "سأتولى الأمر بنفسي، سأراعي كل التفاصيل."
كان الصوت هادئاً، لكنه يحمل لمسة من الهيبة، ولم يستطع إنكارها لنفسه؛ شعور بالسلطة، ولو جزئياً، بدأ يثقب قلبه. لم يكن بدرجة شعور أبو حمدي آنذاك، لكنه كان موجوداً، وامتزج مع الرغبة الخفية في الظهور أمام الجميع. وما كان ينكره بالأمس أصبح واقعاً يصطدم بقناعاته السابقة بقوة!
تمضي الأيام متشابهة في بقعة منسية كقرية الساقية، ولكن هذا اليوم كان مختلفاً، إذ اجتمع الناس حول وفد من العاصمة يحمل معه قراراً حكومياً سيغير مصير القرية بأكملها!
مجموعة من الرجال يحملون مخططات ويشيرون بأيديهم في الهواء ويتحدثون بمصطلحات غير مألوفة للسكان، لم يفهم أحد ما الذي جاء بهؤلاء، اقترب أحد السكان من الوفد وسألهم بذعر: "لا تظهر الوفود الحكومية إلا ومعها المصائب، فما ورائكم؟" أجاب الرجل: "أصدرت الحكومة قراراً بشقّ طريق سريع سيمر عبر الجزء الشرقي للقرية، وقد جئنا لمعاينة الموقع".
صاحت امرأة بغضب: "هذه الأرض لنا منذ قرون، بأي حق تقررون مصيرها؟ لا تأتون إلينا إلا لتحصيل الضرائب أو هدم البيوت، أما كان الأجدر أن ترمموا مدرسة القرية أو تمديدات الطاقة الكهربائية؟"
التفت الرجل إليها ورمقها بنظرة باردة وقال: "نحن ننفذ التوجيهات ولا نملك لكم ولنا من الأمر شيئاً".
تصاعد الموقف وأوشك السكان على ضرب الوفد، ثم وصل جابر إلى المكان، ورحّب بهم وطلب من رئيس الوفد التحدث معه في الديوان، ثم التفت إلى الناس وقال: "لا تقلقوا، سنعالج المشكلة".
وفي الطريق، كان عقل جابر يغلي من الأسئلة التي لا يجد لها جواباً، خاصة وأنه يدرك عجزه في هذا الموقف العصيب.
ما إن وصلا حتى سأل جابر رئيس الوفد عما تنوي الحكومة فعله في القرية، فأجاب الرجل بحزم: "أنصت جيداً يا مختار، الطريق سيُشق عبر الجزء الشرقي من القرية، بعض البيوت ستُهدم، والمزارع ستتأثر. القرار نهائي، ولا مجال للتراجع عنه. ستبدأ الحكومة المشروع بتنفيذ قريباً، وأطلب منك أن تتحمل مسؤولية توضيح الأمر للسكان."
ابتلع جابر ريقه وارتجف قليلاً، إذ أحسّ بثقل السلطة يضغط عليه، لكنه حافظ على هدوئه ثم واصل الرجل حديثه: "ستقدم الحكومة تعويضات لأصحاب المنازل المتضررة، ويمكنهم بهذه المبالغ بناء بيوتهم في الجهة الغربية للقرية، وأحسب أن بيوتهم البسيطة لن تكلفهم الكثير، أليس كذلك؟"
ابتسم جابر وأومأ برأسه ثم أجاب: "بلى، لنعد إلى الموقع فلا أريد أن أهدر وقتكم الثمين، تفضل".
وما إن وصلا إلى الموقع حتى اندفع السكان نحوهما، وهم يصيحون بذعر: "ماذا فعلت يا مختار؟". رفع جابر يده بثقة وقال: "اهدؤوا من فضلكم، لقد تفاوضت مع الوفد، ولن نقف في وجه الحكومة في تنفيذ هذا المشروع، و.."
قاطعه السكان بصيحات الاستنكار والشتائم، ولكنه رفع يده مجدداً وصاح: "دعوني أتم، لقد فاوضت الوفد واتفقت معهم على دفع تعويضات مجزية للبيوت التي ستُهدم، ويمكن لأصحابها بناء بيوت جديدة في الجزء الغربي من القرية، فلا تقلقوا، لن أتخلى عن حقوقكم ومصلحة القرية وسكانها فوق كل اعتبار"
ارتفعت أصوات الأهالي تدريجياً، وتحوّل القلق إلى ابتسامات، ثم إلى صيحات فرح. اندفع بعض الرجال نحوه، ورفعه البعض على الأكتاف، والنساء أطلقن الزغاريد من بعيد، بينما الأطفال يركضون حوله ضاحكين.
ابتسم جابر لهم بابتسامة واسعة، تلمع فيها الهيبة والطمأنينة، وهو يلوح لهم بيديه. شعر بالدفء يغمر قلبه، وكأن السلطة التي حملها منذ أيام قد اكتملت، ولو لوهلة واحدة فقط.
ثم لمح من بعيد ابتسامة ساخرة على وجه رئيس الوفد، كانت مليئة بالهدوء والفهم الصامت، وكأنها تقول له:" أيها المحتال!"
وبينما هو محمول على أكتاف الرجال، وقع نظره على مقبرة القرية، وتحديداً قبر المختار السابق أبو حمدي، ثم ومضت في ذهنه مقارنة سريعة بينه وبين المختار السابق، وأدرك أنه يسير بالناس كما سار بهم الراحل، فكلاهما عاجز عن تغيير الواقع، وكلاهما يبيع الوهم للناس ويحمل عنهم همومهم ومشاكلهم، أما الاختلاف الوحيد فهو وقوع المختار السابق في مصيدة الوهم، فالسنوات الطويلة كانت كفيلة بتلقين عقله الباطن وتصديق كذبة السلطة، أما جابر، فكان أكثر وعياً!
ابتسم بصمت، مدركًا أن الوهم الذي لم يقع فيه بعد ينتظره يوماً، فكما يحتاج الناس لحارس الوهم، يحتاج الحارس إلى وهم السلطة أيضاً.
