الحرب كمرآة للهوية والوجود
كانت الحرب بالنسبة لي في مرحلة الطفولة، حدثاً طارئاً في عالمي الوردي، خاصة وأنني ترعرعت في كنف أبوين حجبا عن عيناي البريئتين أهوال هذا العالم، كنت أتعرض صدفةً إلى مقاطع من نشرات الأخبار، أرى فيها السياسيين الذين يرتدون الثياب الفاخرة، ويتبادلون الابتسامات والعناقات والصور التذكارية، ثم يعرض مذيع نشرة الأخبار هذه اللقطات ويخبرنا بأن الزعيم فلان التقى نظيره علّان وتباحث الجانبان سبل تطوير التعاون بين البلدين بما يخدم المصالح المشتركة، وأكدّ فلان على دعم بلاده لدولة علّان، كما أعرب علّان عن تضامنه مع دولة فلان.
كلمات رنّانة، كنت أصدّقها كأي طفل يصدّق كل ما يسمعه، ثم مرّت الأيام وأدركت حينها أن هذه اللقاءات بلا وزن ولا تأثير على واقعنا. وما هؤلاء السياسيين إلا كالفرقة الموسيقية لسفينة التايتانيك التي كانت تعزف سمفونيتها الأخيرة في عالمهم الخاص فلا يعنيهم الخوف والهرج الذي ساد في السفينة وهي تذوب في المحيط قبل أن يبتلعها تماماً.
وبانقضاء عهد الطفولة، لم أكن بحاجة إلى التعمق في السياسة لأفهم أن هؤلاء ينصتون جيداً لإيقاع الحروب على الشعوب، ومع ذلك، فلا بدّ من هذه اللقاءات والتصريحات كديباجة اعتادوها واعتادها الناس، أما ما يحدث خلف الستار فهو مختلف تماماً، كما يقول الماغوط: "إن شعوباً جريحة برمتها يُساوم عليها أمام قدحي خمر".
ولا أعجب من ولع هؤلاء بالحروب، فهي وسيلتهم الأنجع لتثبيت نفوذهم وتشكيل تحالفاتهم وزيادة ثرواتهم وتلبية الغريزة الجامحة في السيطرة، وإنما أعجب من أن الحرب أصبحت ضرورة في حياة الشعوب أيضاً!
في تلك البلاد المنكوبة، لا يعيش الناس وفق هرم ماسلو الذي يحدد احتياجات الإنسان في خمسة مستويات فلا يمكن للمرء أن يشعر باحتياج في المستوى الثاني قبل أن يحقق احتياجات المستوى الأول، فكيف لرجل جائع أن يفكر في تكوين الصداقات؟
تختلف أولويات الناس هنا عن بقية البشر، فأول وأعمق وأشد احتياجاتهم هو العدو! فمن خلال تحديد العدو يعرّف المرء نفسه ويبني هويته التي يحيا عليها ويورثها لأبنائه، وإن اختفى العدو واجهوا فراغاً لا يحتمل! ولذلك، يسارعون في البحث عن عدو جديد.
وتفادياً لهذه المشكلة، طوّروا مهارة اختيار العدو فأصبحوا يعادون بعضهم البعض، وعداء القريب مقيمٌ لا يزول ولا ينقضي، كعداوة عائلة خلدون وعائلة حسّان في الحيّ الذي أقيم فيه والتي امتدت لعقود من الزمن، وعلى الرغم من وفرة ما يجمعهم إلا أنهم كانوا بارعين في البحث عن الاختلافات لتثبيت العداوة، وتشكلت هوية العائلتين وأفرادهما على هذه الاختلافات، حتى وصل بهم هوس الاختلاف إلى ثيابهم التي يرتدونها، فأصبح أبناء خلدون يرتدون الثياب البيضاء، وأبناء حسّان يرتدون الثياب السوداء، فما أتعسهم!
ولا يأبه أحد من الناس لما سيبذله في سبيل الاستمرار في تلك العداوة، فهي تمنحه شعوراً بالوجود وتعريفاً لذاته وكأنها الطريقة الوحيدة لذلك، يتحمل الجوع والعطش والخوف والحرمان في سبيل هذا الشعور الزائف. أتمنى لو أنني أرسل هؤلاء إلى الفضاء ليوم واحد ليروا بأعينهم الكرة الأرضية كنقطة صغيرة حقيرة تختفي فيها الحدود والرايات والانتماءات، ولكن هذه الرحلة المكلفة لن تجدي نفعاً، فما إن يعود صاحبنا إلى الأرض حتى يعلن للعالمين أن جماعته هم أول من وصل إلى الفضاء!
وللحرب، جاذبية غريبة، رغم كل الجنون والدمار في جعبتها، فهي مصنع الأبطال، إذ تمنح الناس فرصاً تعد ولا تحصى لاجتراح أعمال البطولة والفداء، وتقوّي أواصر الجماعات، التي تنصهر فيها ذات الفرد المسحوقة في الجماعة فيتخلص من آلامه وكل ما يؤرقه، وتفعّل نظام المكافآت في الدماغ، فينفجر الدوبامين والأدرينالين في جسده عند ممارسة أي نشاط من نشاطات العداوة؛ كالمعارك، والجدالات العقيمة، والخطابات الإقصائية. كيف يمكنك أن تقنع هؤلاء بالطرق الأفضل لتفعيل نظام المكافآت؛ كالمشي صباحاً أو إطعام جائع، أو حتى ابتسامة صادقة في وجه شخص متعب تخفف عنه بعض الذي فيه؟
يوجد صنف آخر من الناس يرى في الحرب ضرورة لاستمرار الحياة، ولكنهم ليسوا كالفئة السابقة، وإنما هم أشخاص عمليين إلى حد التطرف، ولا أبالغ إذا قلت أن ميكافيللي لو التقى بهم لجلس بين أيديهم بتواضع ليتعلّم منهم. وفي هذا السياق، أذكر حادثةً قديمة في المرحلة الجامعية، ركبت سيارة أجرة لأذهب إلى الجامعة، فسألني السائق بلهفة: "كم عدد القتلى اليوم؟ هل قُصفت مبانٍ جديدة؟ أخبرني بالله عليك!".
نظرت إليه بدهشة وقلت: "تسأل عن القتلى بهذه اللهفة كطفل يطلب الحلوى؟ كيف ذلك؟" أجابني بنبرة ساخرة: "كلما ازداد عدد القتلى قلّ الازدحام في طابور الخبز، أما المباني المنهارة، فكلما كثُرت ازدادت فرص العمل للفقراء أمثالنا من العمال والحرفيين. تخيلّ أن أصابع الديناميت الحمراء أكثر قدرة على حل مشكلاتنا من حكومتنا الرشيدة. وكما يقول المثال الشعبي: "حرّك اللبن بينباع". هل فهمت؟"
أدركت حينها أن هناك عدد لا يستهان به من الناس يتمنون اندلاع الحروب واستمرارها إلى الأبد، لأنهم يجدون فيها فرصاً لمكاسب لا يمكنهم الحصول عليها في أوقات السلم!
وهناك صنف ثالث، يعود إلى المرويات القديمة عن نهاية العالم ويحاول إقناع نفسه أن هذه الحرب ستعيث فساداً في الأرض، ثم يظهر المخلّصون لينقذوا العالم من هذه الشرور.
وبشيء من المنطق، هب أن الأشرار الذين سيظهرون في نهاية العالم جاؤوا الآن، هل سيترك لهم الناس ما يفسدونه في الأرض؟ وهب أن المخلّصين ظهروا الآن، هل سيتبقى لهم شيء يمكن إصلاحه أو إنقاذه؟
أما الصنف الأخير من الناس في الحروب فيشكل النسبة الأكبر دائماً، وهم الضحايا!
إذاً، في الحرب يمسك المرء بمفتاح تعريف ذاته، أما السلام، فهو حلم بعيد يتسرب بين الأصابع! ويبرز مجدداً السؤال الأكبر الذي أعجزنا كما أعجز أسلافنا؛ هل نحن قادرون على أن نعرّف أنفسنا في هذه الحياة القصيرة دون عداوات؟ وأن نعيد تعريف البطولة دون الدماء؟
