آخر الدواء الكي
منى؛ فتاة عادية عندما تنظر إليها للمرة الأولى، ولكنها ليست كذلك حين ترّف أجفانك ثم تعيد النظر. تخطف الأنفاس بحضورها؛ رقة وأدب وحياء وذكاء وخفة ظل، مزيج عجيب يمنعك عن التأمل في جمالها كما يفعل الرجال في لقاءاتهم الأولى مع النساء، وقد كان لهذا المزيج وقع عظيم في قلبي حتى أنني لم أنظر في جمالها بعين الرجل إلا بعد شهور من اللقاء الأول.
لم تشغلني تلك الفوضى التي حدثت في قلبي، فالأمر قد نفذ ولا مناص منه، ولكنني أغالب نفسي على تجنب إطالة النظر إليها، إذ أنني أدرك أهمية اللقاءات الأولى في العلاقات الإنسانية وضرورة الانضباط فيها فالانطباع الأول يمثل الجزء الأكبر من صورتنا في عقل الطرف الآخر، أما الجزء الصغير المتبقي فيتشكل تدريجياً خلال العلاقة.
انقضى اليوم الأول، وحدثت نفسي بالأمر وأدركت بأن الطريق إليها وعر، فمنى ومثيلاتها القليلات في عالمنا لا يقدمن للرجل شيئاً قبل أن يشعرن بالثقة تجاهه، لن يغريها المال أو الجمال أو معسول الكلام، وإنما الصبر والاحتواء، ولا شيء سواهما، أما الذكاء والحيلة فربما يسرعان الوصول إلى الغاية ولكنك لن تبلغ منها شيئاً إلا إذا سلكت هذا الطريق الوعر.
طردت هذه الأفكار عن خاطري وحدثت نفسي كاذباً بأن الأمر لا يعدو كونه إعجاب وإن كان شديداً، ولكنه إعجاب! ثم تدبرت الأمر مجدداً، بعقلي وقلبي، وأيقنت أن وجودها في حياتي صفقة رابحة، فوضعت الهدف نصب عيني، أن أحظى بعلاقة تجمعنا بأي صفة كانت، فالقليل منها كالكثير الكثير من غيرها.
ثم بدأت صداقتنا، بثنائية فريدة، حققت كل احتياجاتنا، ومع ذلك، كنت كالذي يسير في حقل ألغام، توخيت الحذر في كل كلمة وحرصت كل الحرص على تلبية احتياجاتها وعدم إلزامها باحتياجاتي ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، فإعفاء الطرف الآخر من المسؤولية قد يكون خطيراً إذا كان شخصاً غير مسؤول، ولكنني قنعت بأقل القليل، مع رجاء بنيل ما هو أعظم، لأطيل أمد العلاقة فمنى فتاة أنهكتها التجارب، وقد كانت واعية بما يكفي لنخوض علاقة غير متوازنة كهذه. وكان لي ما رجوته، نثرت بذور الثقة فأنبتت ما يبهج النفس ويسر القلب.
والآن، هل أخطو خطوة إضافية؟ أم أقنع بما وصلت إليه؟ فالانتقال من الصداقة إلى الحب يحمّل الطرفين عبئاً إضافياً يمنعهم من الاستمتاع بالحالة الجديدة للعلاقة، ثم خلصت إلى أن التصريح بالحب يكفي في هذه المرحلة، ثم أنظر فيما سيجري لاحقاً، وهذا ما أقدمت عليه بعد سنة كاملة من الصداقة.
لم تجر الرياح كما اشتهت سفينتي، وكان الأمر شديداً عليها فاضطربت العلاقة وتسببت فعلتي بصراع نفسي داخلي أنهكها، وأصبحت عبئاً عليها وقد كنت عوناً لها في الأيام الماضية. التقينا بعد أيام، جلست أمامي صامتة، تعبث بفنجان القهوة، ثم رفعت رأسها وقالت بصوت منخفض: "وجودك مهم في حياتي… لكن قلبي لا يستطيع أن يلحق بك". وأعترف بأن المواجهة كانت فعلة أنانية وضعت منى في مأزق كبير، ولو قنعت بصداقة طويلة الأمد وكتمت هذا الحب لكان خيراً لي، وليتني لم أقدم على هذا الأمر!
ما من شيء يهذب الإنسان ويعلمه الحب كما يفعل الألم، وإنني في الحب، كمن يقود شاحنة في الضباب، أسير بحذر وتأنٍ، ولا أضع أهدافاً عظيمة أو طويلة الأمد، فقد علمتني التجارب أن أستمتع مع من أحب ولا أتيح فرصة للقلق أن يتسرب إلى نفسي ويعكر صفو لحظة جميلة أحياها، فالنهايات قادمة وهي اليقين، وإن اختلفت أشكالها، ولذلك، فحسبي ما أنا فيه الآن، ثم أخطو إلى الأمام وفق ما تفرضه الظروف والأحوال، فلا أقدم وعوداً لا أقدر على الوفاء بها، ولا أحمّل الآخر ما لا يطيقه، وهذا مذهبي.
أما منى، فلها رأي آخر، توافقني في التأني وتخالفني في غياب الأهداف البعيدة وتفضيل الأهداف الآنية، ولا ألومها أو أخطئها فيه، فمذاهب الناس في الحب وغيره من شؤون الحياة إنما تخضع للتجربة والاحتياجات، ولذلك، فلا يمكنني أن أخضع هذه الآراء لصواب وخطأ، وإنما نحتاج إلى تحقيق التقارب ليخرج الكل محققاً ما يصبو إليه.
انقلبت الأحوال ووصلنا إلى ما لا نستطيع الرجوع عنه إلى ما كان، ولا نقدر على المضي به قدماً إلى ما سيكون، كانت منى تعيش تحت ويلات العذاب النفسي، فكيف ستعود صديقة لرجل يحبها ولا تستطيع أن تبادله الحب؟ وكيف ستدخل في علاقة حب لا توافق طريقتها؟ ترغب بشدة في وجودي وتنفر منه في آن واحد.
لم أفكر أبداً في حقيقة مشاعرها تجاهي، على الرغم من أهمية هذا الأمر بالنسبة لي، بقدر ما كنت مشغول البال بإصلاح ما أفسدته، إنني قادر على كتمان حبي عشر سنوات، ومقاومة إغراء التصريح بالحب، فلن أبوح به تصريحاً أو تلميحاً، ولكن، لا أريد أن تطلع عليّ شمس نهار وهي ليست في حياتي!
فشلت كل المحاولات في إصلاح الأمر، وكنت كالغراب الذي ضيّع المشيتين، فاليوم لست صديقاً ولا حبيباً، وحديثنا البارد ليس إلا إكراماً لأيام جميلة قد مضت وتشاركنا فيها الضحكات والآلام والأفكار والمواقف اليومية.
وبعد أن فشلت كل المحاولات، خالفت لأول مرة نهجي في التمسك بالآخرين وتفويضهم برسم النهايات، وأخذت القرار بأن أبادر بالقطيعة، وأن أسقط نفسي من المشهد كي لا أسقطها معي، واخترت أن أكون في ظاهر الأمر شيطاناً، وأريحها من هذا الثقل، وإن تسببت لها بقليل من الألم الآن خير من عذابات طويلة لا تنتهي، فأسمى أشكال الحب، أن تنقذ الآخر من نفسك، وأن تحمل مشاعرك بأثقالها وتعود إلى السجن الذي خرجت منه.
لا يكفي أن تكون صادقاً لتكون محباً، ولا يكون الحب بالنهايات التقليدية التي نرجوها ولا تسخى الأقدار بها. لم ينته الحب كما نرجو، ولم يكتمل كما نتمنى، ولكنه بلغ حدّه، ولذلك، كان الرحيل، الذي كان تطبيقاً لقول مأثور عن أجدادنا: "آخر الدواء الكي"!
أحمل الآن في قلبي فراغاً لن يملؤه أحد، ومع ذلك، أقول بكل فخر وألم: "لقد نجحت في اختبار الحب، وفقدتك إلى الأبد"!
