

قبَسٌ من حياة أديب حزين
في الدار، تموت الذاكرة ويتبلّد الإحساس.
آفي البار، تحيى الذاكرةُ ويتوهّجُ الوجود.
آفي الدّار تراقبُكَ عينُ الزوجة من خلف الغيرة وأنتَ تغور ببصرك في الجدار.
وفي عين ابنِك شعلةٌ من الغضب. ألمْ تشتر له بعدُ تلك الدرّاجة النارية التي ما زال يحلُمُ بها؟
الزوجة لا ينقصُها أيُّ شيء حسب تقديرك الشخصي ولكنّها غير راضية عنك.
الحريّة... الحريّة... صحيحٌ أنّك أعطيتها حريّتَها ولكن هذا لا يكفيها؛ فهي تريد أن تعطيها – أيضاً – حرّيَتَك.
والابن الذي بـنـَيْتَ لحمَه من لحمِك وعقلَه من كُتُبِك وعافيتَه من صحّتِك، لم يعد يرى فيك سوى ذلك الهرم الواهن الأخرق.
صارتِ الزوجةُ والابن غريبين عنك الآن. تودُّ لويرجَعُ الزمان القهقرى فلا تتزوّج.
تـُفكّر وتفكّر في الحل الذي سيمكِّنُك من استرداد أمجادِك الغابرة؛ أيّامَ كنتَ حرّاً طليقاً في مُجون الوجود، فلا تجدُ سوى الهروب إلى أيّ زاوية من البلد من دون أن تترك خلفَك أثراً يقتفونَك بواسطته... أوالطلاق... وأمّا الانتحار، فلقد انتحرتَ لحظةَ توقيعِك على قسيمة الزواج.
تحارُ ولا تجدُ من حلٍّ لمعضلتِك الوجودية سوى اللجوء إلى مكتبِك... تُغلِق البابَ بالمفتاح فتأتي الزوجةُ النكَدِية من النافذة.
هل تريدُ أن تتجسَّسَ عليك؟ لا! إنّها تريدُ أن تشاهِدَ بأمّ عينيها خيبةَ رجلٍ يحتمي من الفقر في الخمر والكتابة.
في الزوجة أكثر من شاهد عندما يتعلّقُ الأمر باتهامِك أمامَ الأهل والجيران. وهي أقدر من وكيل النيابة العامّة على إغراقِك في الإدانة.
أما أنت... أنتَ لا خبرة لكَ بأساليب الدفاع عن نفسِك، لذا فقضيتُك محسومة قبل أن تبدأ المحاكمة.
– حَكَمَتْ عليك المحكمةُ حضورياً وغيابياً بأن تتحوّل إلى رجل عادي لا يشرب ولا يكتب؛ أيّ إلى مومياء حيّة...رُفعَتِ الجلسة!
الزوجةُ مثلُ الطبيعة؛ تخشى الفراغ: فراغ جيبها من المال، فراغ ثلاجتها من الأطعمة والأشربة، فراغ أطرافها من الحليّ، فراغ صالونها من الديكورات الفارغة، فراغ سريرها منك على الرغم من فراغ قلبيْكما من الحبّ...
تختلسُ جرعةً من تحت مكتبِك فترى الزوجةُ فِعلتَك (النكراء) وترميك بسهم تلك الكلمة الملعونة: (طلّقني!)
والابنُ في مكان مّا من البيت، يأمرُ زوجتَك بأن تأتيه بورقة نقدية، فتتركُكَ إليه وكأنّه هوزوجُها وليس أنت، ثم تعود إليك:
– إذا كنتَ غير قادر على تطليق الكتابة والشرب، فارحل عنّا!... أجل، ارحلْ عنّا ونحن سنتدبّرُ أمورَنا من دونك! وإيّاك التفكيرُ في حمْل أيّ شيء معك من هذا البيت، فكلُّ ما فيه لي ولابني.
– وكُتبي؟... تسألُها بعفوية وغباء.
– كُتُبُك؟ ماذا أعطتنا كتبُك؟ خذها معك فهي لا تساوي شيئاً...
وفي جرعة مُرّة تسألُها بغباء آخر:
– هل تريدين منّي أن أموت؟
فيأتيكَ ردٌّ من غرفة مجاورة:
– هذا أفضل لك ولنا.
لحظتئذ تنتابُك شجاعةٌ مفاجئة فتُخْرِجُ قنينّة الخمر من مخبئها تحت المكتب وتضعُها عليه في نوبةٍ من التحدّي وتُفعِمُ كأسَك بدمِها وتُفعِمُ روحَك بروحِها وتقول لتلك المرأة:
– هل لديكِ شخصٌ مّا تعوّلين عليه؟
وفي علمِك أنّ زوجتَك امرأةٌ شريفةٌ وأنّ الابنَ الذي يتمنّى لكَ الموتَ، من صُلبِك... تحار... فتتناولُ كأساً أخرى لتذويب الحيرة في مكانها.
(أيْنَ يكْمُنُ الخطأ؟ - تسألُ نفسَك - أ لمْ أكُنْ أوّل الموقّعين على مدوّنة الأسرة؟ أمْ هي القنوات الفضائية ووصلات الإشهار التلفزيونية أم هوالمجتمع الاستهلاكي شرع يدمّر الأسرة العربية؟)
فتترُك تلك القصيدة التي أردتَ لها عنواناً يرحلُ بك إلى القرن الماضي، أيامَ كانت مراكش بنساءٍ من نقابٍ وحياء واحترام، والأبناءُ يقبّلون يدَ آبائهم كيفما كانت المادة الملطِّخة لها: خضر، سمك، حديد، طحين، مداد، فحم، خمر...
أنتَ لستَ رجعياً (كما يقولون). أنتَ تحبُّ زوجتَك وابنَك وتوفّر لهما أسباب العيش الكريم وهما لا همَّ لهما سوى أن لا تكون... في سبيل أن يكونا هما...
وتخرُج، فتعترضُكَ القصيدةُ المُهمَلةُ عند باب البار مثل امرأةٍ تركَها زوجُها. تبتهِج لرؤيتِك. تعانقُك بحبّ لا ينضب. تجرُّكَ إلى الشرب. تحادثكَ في أمور الاجتماع والسياسة والأدب. تؤنِسُ وحشتَك. تصغي لمشاكلِك الوجودية. تشاركُكَ همومَك. تقولُ لك :
– أنا تلكَ المرأة التي تبحث عنه في كلّ ما قرأتَ وكتبتَ ولكنني لن أكون لك. فلا تسأل!
وتستمرُّ هي في بحور الخمر والشعر، ترسمُ لكَ معالِمَ المرأة /القصيدة التي تخصُّك.
فتقول لها في يقظة السُّكْر:
– أجملُ النساء تجدهنّ في البار وأقساهُنَّ راسخاتٌ في الدار...
أنتَ لا تكرهُ زوجتَك، ولكنّكَ في البار، تجدُ بنات الشعبِ اللواتي لم يسعفهنّ الحظ في إيجادٍ شخصٍ مثلك. بنات يفعمنَك بالروايات.
(البارُ جنّة والدار جحي) تقول لتلك القصيدة الحيّة ذات المائة اسم (أحلام)...
وفي صباح اليوم الموالي تسْتفيقُ على صخب تلك المرأة الأخرى... زوجتُك:
– أفِقْ يا خيبة الرجال ! نحن بحاجة إلى خُضر وقنينة غاز، وإلى تأدية فاتورة الماء والتلفون والكهرباء والإنترنيت، وأمّي آتية في الحين ويلزمُنا لحمٌ وسمكٌ ودجاج ومشروبات وفواكه وكْريمات، والرصّاصُ احتجتُه لتسريح المجاري، وكذلك مصلح المثلجة وآلات التصبين وغسل الأواني، وابن الجيران أدّيتُ لهُ مائة درهم لكيْ يكنُسَ سطحَ الدار من جميع الجرائد والملحقات الثقافية التي كتبتَ فيها أوهامَك، فعليكَ أن تعوّضَني المالَ الذي دفعتُ له، وغرفة ابنِك تحتاجُ إلى طلاء جديد؛ أ لا تعلم أنّ ابنةَ أختي التي في فرنسا قادمة، ونحن متفقتان على أن نزوّج الطفل للطفلة، وليكُن في عِلمِكَ أنَّني أرغمْتُ على شراء قفطانٍ من ابنة خالتي وأنّ ولدَكَ اشترى كمبيوتراً جديدا من صديق له وبأنّني جلبتُ خادمة لكوني تعبتُ من خدمة هذا البيت...
فما نطقتَ كلمة، بل نهضتَ إلى تلك القنينة التي باتتْ تنتظركَ في صمت، وأفرغتها في جوفك ثم خرجتَ إلى غير رجعة...