

قبل... بعد...
قبل أن يتكلّم الإنسان بلسانه، تكلّم بعضلاته. وبعد أن اكتسب لغة اللسان، لم يتخلَّ عن لغة العضلات...
عادة سيئة أدمنها الحيوانُ الذي ما زال يسْكنُه.
قبل أن تخترع مختبراتُ التجميل الذكرية موادَّ التجميل الأنثوية، اخترعت المرأةُ الذكورة ومختبرات التجميل الأنثوية... لها الحق من قالت:"إنّ المرأة صاحبة الاختراعات، وأخطر ما تقدر على اختراعه: القصص".
الرجل قبل المرأة لم يكن شيئا، فهي من ألَّف قصّته، وهي من أوجدَه في التاريخ، والحروب، والفنون، والعلوم، والصحافة... وهي من أعدمه...
وكانتْ جاءتْه من"قبل"، ولو أنّها جاءته من"بعد"، ما دخل سجن الوجود.
قبل"القبل"، وقبل"البعد"، لم يكن لا"قبل" ولا"بعد"... كل ما كان هو حاضرٌ أزليّ. وهو حاضر لا يقدر أي مخلوق على معرفة طبيعة الزمان فيه، حتى يعطينا ما اصطلحنا على تسميتِه ب"القبل" و"البعد".
قبل الجاهلية، كانت الجاهلية، وبعد الجاهلية، كانت الجاهلية؛ وما الجاهلية سوى الظلم والاستبداد.
قبل الجهل، وقبل العلم؛ كان القلمُ الذي به كُتِبَ الجهلُ والعِلم. وكان الجهلُ أوفر من العلم، لأن أسطُرَ العلم كانت متباعدة.
قبل القلم، كان السيف؛ ليرغم القلمَ على كتابة الظلم، وبعد أن كان السيف؛ ظهرتِ السياسة؛ وبعد السياسة؛ كانت السياسة. وقبل هذه وتلك، كانت العصا، وتطوّرت العصا إلى ورقة، والورقة إلى صحيفة، ومنها خرجت الكلمة؛ فكانت السياسة هي الكلمة.
ثم استحالت الكلمةُ صورةً؛ صورة حيّة في البداية، ثم صورة ميّتة على جدار؛ ثم صورة حيّة ـ ميِّتة على شاشة التلفزيون.
قبل التلفزيون الملوّن، كان التلفزيون بالأبيض والأسود. الأوّل بـِطِلاء النفاق، والثاني بأصباغ الذاكرة المشوّشة.
في هذا الأخير، شاهدْنا:شارلي شابلن، مجموعة البيتلز، إيديت بياف، أم كلثوم، إسماعيل ياسين، محمد علي، محاكمات أدبية، الطيّب العلج... وفي الأول صرنا نشاهد:إيزّا العوراء، قْوادالوبي العرجاء، ماريمار المقمّلة، المسلسلات المتأبِّدة في الرداءة، نجوم الوعظ المنطفئة،"كليبات" لنساء ورجال في جمال الدّمى، مشجعين عرب لفرق كرة أوروبية لا تعرف حتّى أين توجد دول هولاء المشجعين، وإشهار مغرض في الكذب، ومطربٌ غربي لا هو رجل ولا هو امرأة؛ ولا هو أسود، ولا هو أبيض...
قبل الهزيمة، كنّا نفتخر بالإسلام، العروبة، الوحدة العربية، الشعر، الرواية، القصة، المسرح... وبعد الهزيمة، صرنا نفتخر ب:المسالمة، الفيديو كليب، السياحة المستباحة، الدّبْلجة الرديئة، الغاز، النفط، الانتصار على الإخوة...
ولنكن واقعيين! فقبل كلّ قبل، وبعد كلّ بعد؛ كانتِ المرأة، وكان عطرُها الخفيّ الذي ما استطعنا ـ نحن الرجال ـ الابتعادَ عن سِحْره؛ والذي بسببه، استعدْنا لغة الشعر، واشترينا الورود، وسافرنا في الحلم.
قبل أن يحلم الرجل بالمرأة، كان مثل وحش، وبعد أن حلم بها، صار مثل إنسان يعاقر الخمر والمداد. وبعدما صدّته المرأةُ، مزّق أوراقَه، وتحوّلَ إلى السياسة؛ وصدّتْه ثانيةً، فصار عبداً للمال لكيْ يصير سيّدا عليها. ذلك لأنّها جميلة، فاتنة، ولها حديقة متمنِّعة، وذات ثمار شهيّة.
لكنّ بعض النساء دميمات، ولهذا اخترعن"الأقنعة"، فكانت المساحيق، وكان السّحق، وكان السِّحاقُ الذي اغتنتْ منه بعض الجرائد المقوّدة...
قبل الإيمان، كان الكُفْر. وقبل اللحية، كان الوجه. وقبل المحراب، كانت الحرب. فجاء الإيمان بلحية وحربة.
وجاء النورُ بعد الظلام، وسيجيء النورُ بعد الظلام، وسيعانقُ الكفرُ الإيمان؛ تحت الكراسي والطاولات، وخلف الأشجار والصخور، وفي كنف الحانات والمساجد، وفي لجِّ المحيطات ويمِّ السياسة.
الزمان، الوقت، الحين، الدّهر؛ كلّها أسماء لشيء لا ندركه، ولكنّه كان، ويكون، وسيكون الكائن الثابت الوحيد في الوجود، وهو متغيّر في ثباته... لكن عقلنا غير قادر على فهم مثل هذا التناقض.
أكبرُ هَمٍّ ينتابُ الحاكمَ المستبدَ؛ أن لا يدوم مُلكُه (!) أخشى أن أقول:"لا دوام لملك". فقبل كلِّ مُلك، كانت العبودية؛ وبعد كلّ ملك، ستبقى العبودية:للوجه، اليد، العضو التناسلي، البطن، المقدّمة، المؤخِّرة، الزوجة، الأسرة، القبيلة، المدينة، الدولة، البشرية، الأيقونة، الورق...
قبل الكراهية كان الحب. ولو لمْ يُحبِبْنا اللهُ ما خلقنا. فجاءت الكراهيةُ في شكل أسطورة.
أمّا"الإنسانُ" فلا قبل ولا بعد له؛ والسبب في ذلك هو أنّه غيرُ موجود لحدِّ الساعة.
شرطٌ ضروري لكي يوجدَ"الإنسان":أن يتخلّى"البشري" عن ميزات الحيوان التي تمنعه من الارتقاء إلى"الإنسانية":حبّ الامتلاك، مقاتلة الأمثال، تأليه المخلوقات، احتقار الأعراق، وتوهّم عدم الفناء.
أجَلْ! لو لم يُحببني الله، ما خلقني. فقبل أن يخلقني على ما أنا عليه، نظر في روحي الفارغة، فملأها بالحب، وقال لي:"افعل ما تشاء، فأنا أومن بك!". آنذاك جاءني"القبلُ" و"البعدُ"، وقالا لي:"لم نعُدْ لك، فلقد صرتَ خارجَ حيِّزنا، ذلك لأنّك مثل"القلم الأول"؛ تكتبُ ما كان، وما هو كائن، وما سوف يكون". فرأيتُني ما بينهما، على صفحة مرآة ضوئية هْيُولى مُتموِّجة في فضاء"الحبّ" الذي ما فيه"قبل" أو"بعد".
قبل"الإبصار" كان"العمى"، فرأيتُني ب"السماع" أكثر وضوحاً مما لو رأيتُني ب"الإبصار"، والسرُّ في ذلك؛ أن"العين" أكذب من"الأذن".
آخراً (وليس أخيراً)، فقبل"الواحد" كان"الصفر"، وبعد"المليون"، سيكون"الصفر". أتساءل:لماذا يعتقد الأغنياء أنّهم لن يصيروا أفقر من الفقراء ذات صفرِ تاريخٍ، صفرِ صحّةٍ، عطاءٍ، حبٍّ، تضحيةٍ، إيمانٍ، تواضع...