الاثنين ٢٢ تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

فلاشينك: التخلّي

أكبرُ صدمة قد يشعر بها إنسان؛ هي التخلّي.

من مثل هذه الصدمة، يعاني أطفال الشوارع.

هل نحن أبرياء تماما من معاناة هولاء الأطفال الذين يحلمون بالشمس، بوجبة غذاء تملأ بطونَهم الصغيرة لبعض الوقت؟ أولئك الأطفال الذين يدِبّون على الأرض ويتعثرون على الإسفلت على الرغم من أنّه مُستوٍ؟ والذين يتعاضدون فيما يُشبِهُ العائلة لكنّها "عائلة مُدمّرة"؟ ويتوسّدون - في الليالي الحارّة والمثلجة – عتبة الرصيف بدل ركبة الأم.

وهناك من تخلّى عنها زوجُها لسبب أو آخر، فصارت عرضة لأنياب الذئاب البشرية.
الأم الفقيرة وابنتُها المُتخلّى عنهما أكبر مأساة وجودية. وتتطلّبان مِنّا كُلَّ العطف والحماية والدعم. في سبيل مجتمع متكافل يُكرّمُ الأسرة... في سبيل الله.

صِرْنا نرى في مجتمعات الإسلام تلك الظاهرة الغربية المقيتة:وضعُ الآباء والأمّهات الشيوخ والمرضى في دور العجزة؛ وتركُهم للنسيان، لأجل أن يستمتع أولادُهم ب"رغد العيش"... هل العيشُ رغدٌ عندما أودعُ والدي أو والدتي في مطمورة الغياب؟
والذي تخلّى عنه وطنُه في أرض المهجر القاسية، عرضةً للاستغلال والعنصرية والظلم؟

والبلدُ الذي يتخلّى عن أبنائِه لفائدةِ "الوهم" والأسماك؟

قواربُ الموتُ ما زالتْ تُرحِّلُ أبناءَنا إلى "العالم الآخر" وسماسِرةُ الموت، ما زالوا يُتاجرون في أرواح الشباب... يجبُ على الدولة أن تتحمَّل مسؤوليتَها عندما تسمحُ لوسائل الإشهار والمُسلسلات الرخيصة بالتغرير بالشباب. قد تحدثُ كارثةٌ اجتماعية لن تتمكّنَ الدولةُ من تطويقِها.

أمّا الذي تخلّى عن وطنِه بمحضِ إرادتِه لأيِّ أسباب كانتْ، فلا بُدَّ أن يندم.
وهناك من تخلّى عن وظيفتِه طوْعاً قبل بلوغ سنّ التقاعد، فحلّتْ به الخسارةُ المادية والمعنوية لأنّه لم يكن يعلم أن "مَنْ قدَّسَ المالَ، احتقره" و"مَنْ تخلّى عن (موقِعِه في أيّةِ وظيفة عمومية أو شبه عمومية)، كالجندي الذي تخلّى عن موقِعه".

سيعرفُ الذي تخلّى عن المبادئ الإنسانية مقابل الحصول على المال أو الجاه أو السلطة، سيعرف في الساعة الأخيرة أنّه من دون مال، ومن دون وجه وأنّه أقلُّ قيمةً من سَلَطَة.

ويبقى أكبر مُتخلّى عنهُ مُستحِقٍّ لأكبر شفقة، هو من تخلّى عنه الله... ذلك لأنَّ الله يحجُبُه عنّا؛ إلاّ أن يُظهرَه لنا في صورةٍ مُحتقرة.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى