السبت ٢٠ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

صديقي «نِيتْشْفْ»

أريدُ أن أقترف َ نميمةً دولية اصطبرتُ عليها عِقدا من الزمن أو أكثر، وهي حقيقية، لكنّها مكنِية، في حقِّ رجل كان صديقي إلى حين دعاني إلى بيته، فتهدّم صرح الصداقة التي عشنا في أوهامِه اللذيذة سنة بحالها وأحوالها.

وددتُ أن أصرّح باسمِه لتشويه صورتِه الكاذبة عند القرّاء العرب، لإعادتِه إلى صورته الأولى، ولإيلامِهِ لأجْلِ ما آلمني وأنا في بيتِه؛ لكنّني لا أقدر على ذلك؛ والسببُ هو أننّي أديب، وهو "أديب" على الرغم ممّا سأرويه لكم، ولأنّ «الصداقة» عندي مثل الإيمان الذي يضعف ويقوى على حدِّ قول نبيّنا محمد؛ ولكنه لا يتحوّل أبدا إلى كفر.

أنا لا أكفر بصداقتنا، ولكنّ ما فعله معي في بيته، دفعني إلى طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الأديب:هل ينبغي له أن يتميّز بميزات خارقة لكي يضمن لنفسه صفة «الأدبية»؟ هل يمكن لنا أن نستحمل عنه صفة الجنون مثلا؟ وصفة الجبن، هل في مقدورنا تقبُّلُها منه؟ وماذا لو كان حقوداً، شاذاً أخلاقياً أو جنسيا، هل نرفضه أم نقبله؟ وبأيّة طريقة يمكن لنا التعامل مع أعماله ونحن نعرف أنّه خوّاف، منافق، وصوليّ... وهل صفة «النفاق» تتماشى مع صفة «الأدبية»؟

أعتقدُ أن نميمتي «علمية/أدبية»، وأنّ الغرضَ منها فتحُ نقاش حول «طبيعة الأدباء» لا طبيعة الأدب. وأنا رهنُ إشارة "الأخلاق" وتحت إمْرتِها؛ فلو قرّرت "الأخلاق"، (كيفما كانتْ، وتخصيصا منها «الأخلاق الأدبية») أنّني لستُ أفضل من صديقي المفقود، لاحترمتُ قرارَها.

الحُكم يرجع للقرّاء... أمْ ربّما لرجال الدين؟ أم لرجال النقد؟

صديقي المفقود يقرأ كثيرا لفلاسفة الألمان:نيتشه، سبينوزا، هيگل، هايدگر، ماركوز... يكتبُ باللغة العربية بإتقان، ويكرهها وأصحابَها كُرها شديدا، يرسمُ بالخط العربي، ويخفي لوحاته الجميلة، يسبُّ رئيس اتحاد الكتّاب ويحتقره في غيبتِه، ويتملّق إليه إلى أن منحه العضوية في ذات الاتّحاد؛ يدّعي أنّ المرأة «حقيرة» (تيمّناً بقول نيتشه عندما وصفها بالبقرة) ويهواها حدَّ السحر، المرض، الموت...

بسبب ما رأيتُ منه من تناقضات فكرية وسلوكية، وتشبُّهـِه بالفيلسوف الساخر الملحد "نيتشْهْ"، ولأنّه ـ هو الآخر ـ وضع فوق فمه شارباً كثّا يشبه في فوضاه، شارب أستاذه الألماني؛ سمّيتُه «نِيتْشْفْ» (بفارق حرف)، وذلك لأنّه ناشفٌ لا إدامَ في نصوصه، غير الحصى الذي يكسّر الأضراس، ولا قدرة له على مجاراة عبقرية، وجرأة، ووقاحة أساتذته الألمان.

ولقد سبق أن رأيتُ في بيته كيف يمتثل للمُواضعات الاجتماعية من قبيل التأدُّب المفتعل، وصور الآيات القرآنية على جدران صالونه التقليدي، وطريقته المخزية في إخفاء زوجته عنّي، والتي كان يخاطبُها من وراء حجاب.

صديقي «الأديب المعذّب»، همس في أذني:«هل تعلم؟ أنا أكره زوجتي... إنّها متخلّفة ومستبدّة».

ثمّ أراني مرافق بيتِه الذي اشتراه وزوجتُه بناءً على قرض بنكي محصّصٍ على 20 سنة.

ـ... وكما ترى، فهذا صالون عربي، وهذا صالون غربي، وهذه غرفة طفلي، وهذه لطفلتي، وها المرحاض، وها الدوش، وهذا التلفاز الملوّن، وهذا مدوّرُ القصعة الفضائية، ومن هنا ساحة الدار، وهذا هو المطبخ على الطراز الأوروبي...

وقد قال لي في أحد اللقاءات الثقافية:«أنا ملحدٌ، والإلحادُ عقيدتي، وأكره الزواج، وأفضّل عنه المعاشرة الحرّة، وأمّا وسائل الإعلام، فكلّها هَراء، وعيد الأضحى طقسٌ من طقوس الهمجية، والعبادة اغتراب...»

وما انتبه أنّني انتبهتُ لمعلاق الأضحية في ساحة بيتِه، وأنّني رأيتُه صائما ذات رمضان، وأنّه منخرطٌ في مؤسسة الزواج من أخمص قدميه حتى قنّة رأسه...

ثم أشار إلى كتب قليلة في المطبخ، وقال لي:" هذه مكتبتي!

وكنتُ قبل زيارتي لبيته، أتخيّلُ له مكتبةً بطول لسانه، وبعرض أفكاره. فما منعتُ نفسي من مخاطبتها قائلا:«هل في هذا المطبخ يطبخُ (هذا الأديبُ المسكينُ) مقالاته التي لا يفهمها أحد؟»

السؤال أكبر من أن يعنيني وصاحبي. السؤالُ ضخمٌ يشملُ طبقةً عريضةً من أشباه الأدباء، ولهذا تفضّلتُ على نفسي بهذه «النميمة الأدبية»، لعلّني أجدُ منكم مؤازرةً أو نُصْحا.

بحكم آداب الزيارة، حملتُ لطفليه بعض الحلوى والياغورت، وله قنينتين. فأخذ واحدة، وتسلّق كرسيا لأجل أن يخبِّئها في أعلى رفوف مطبخه، إلاّ أن الكرسي انكسر، فهوى بين يديَّ، لأنقذه من تهشُّمِ عظام محتوم.

ثم جلسنا لنشرب نخب «الأدب المفقود». إلا أنّه كان يصبُّ لي وله من تحت الطاولة. أجل! لأوّل مرّة في حياتي تستّرتُ على الشرب في بيت صديق مغَلّقٍ، في مطبخ مغلق، من تحت مائدة... فهل يأتي السكر مع الخوف؟

ولكيْ يُطيلَ جلستَنا (الحمارية)، سارع إلى تلويث الشراب بالماء؛ وإلى شتم سائر الأدباء العرب، حتى خلتُ أنّه سيشتمني أنا الآخر.

فمن أين للسكر أن يجيئني؟

ولمّا احتضرتِ القنينةُ الأولى، طالبْتُه بالثانية؛ فقال لي من تحث شاربه الأحمق:«ألا نتركُها إلى فرصة أخرى؟»

فجاءتني الرغبةُ في الانتقام منه، وإفشال خطّتِه الرامية إلى محاصرتي بالصحو والهُراء؛ فعقدتُ عينيَّ، وقلتُ له بصرامة المقبل على جريمة قتل:"قلتُ لك هاتِها!" فطار من مقعدِه كما عنكبوت، وأحضرها.

ـ سأتكلّفُ بالسقيْ ـ قلتُ له ـ ولن نعلوها بماء (في إشارة إلى بيت شعر لطرفة ابن العبد:... ولمّا تُعلى بالماء تُزْبـِدِ)... فانتقمتُ منه بالدرك والفَوْر، حتى تشقلبت عيناه، وخرج لسانُهُ من شاربه كضبٍّ واهن من غابة. وقال به:

ـ أفكر في تطليق زوجتي... في الاستقرار بألمانيا... في الانتحار...

فقلتُ له:

ـ والله لن تطلّق، ولن تسافر، ولن تنتحر...

فخرجتُ من عندِه إلى عندي، ولسان حالي يقول:«يّاك أن تخبر أحدٌ بما جرى، إلاّ أن ينقضيَ عِقدٌ من الزمن أو أكثر؛ ربّما يعود صديقُك إلى نفسِه، ويتصالحُ معها».


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى