

شرفات برلين
1 ـ الشرفة
بالقربِ مِن سماءِ شُرْفتي،التي بالزّاجلِ مِن الحمامِ ازْدَحَمَتْ ومِن دخانِ سيجارتي تكدّرتْ،مرّتْ غيمةٌ بيضاءكانت مُتْعَبةً فقيلَ إنّها خَزَعَتْ مِن سرْبِ غُيومٍدَهَمَنا ذاتَ طَقْسٍ خريفيٍّ أو ذاتَ شتاءدَعوتُها فتوقّفتخَلَعَتْ معطفَها الجلديَّ وقُبّعةَ المُسافروللهواءِ أسْلَمتْ جناحيهاوغادرتْ زمن الطّيرانِثم تركتْ رشيقَ ريشِها يتساقطُ ريشةً .. ريشةفي شُرْفتي، التي تخدّرت مِن أنفاسِ الطيرِوأنغامِ هديلٍ عابر،انْفلتَ عارياً جسدُ الغيمةِومنّي فلتت صيحةٌ :هذا جسدُ عاهرةٍ إلى سمائناجاءت تصطاد الرّيحَ ولأنهارِنا تتعشّقُهذا جسدُ ضيفتي العابرةهي تدري ما تُريدوأنا في الشُرْفةِ أسترُ بالدّهشةِ عورتَهاوأنا في الشُرفةِ أطلُّمنذُ نعومةِ الشمسِ وغنجِ الضياءِعلى ماءِ نبعٍ يجهشُ بأفخاذِ النساءأنا مِن الشُرفةِأرى الأجسادَ بالبهاء تسبحُأنا مِن الشُرْفةِأتلمّظُ للزغبِ المفزوعِفي شفقِ الرؤيةِغيمةٌ تعرّت في صمتِ الرؤياكنتُ في بَرْزَخٍ مِن نومأُرَتِّبُ في أقفاصِ الماءِ أحلامَ يقظةٍ،عصفتْ بنشوتي ذاتَ غيابوعلى رأسِ أشواقي أُثَبِّتُ تاجَ أُقْحوانةٍ فاجرةٍهي أشواقي التي بها غدرَ البحرُ والبحّارُهي أشواقي التي هجرتْها السفينةدارت بي الأرضُوعن شُرفتي التي زارتْها الكائناتُ تهتُدارت بي الأرضُوعني نأيتَ حبيبي ووراء عالمٍ مِن ضبابٍ تواريتَهل كنتَ في العتمةِ موغلاً؟هل دخلتَ في انطفاءِ البصيرةِ؟هل كنتَ متوارياً خلف غَلاَئِل حنينٍ؟غيمةٌ في البعيدِغيمةٌ في القريبِ تعرّتلم ترَ جبالاًولا غيوماً برعودٍ وبروقٍوليست هي السماءُ ما رأيتَإنّها الصحراءُ تلوذُ بالسّرابِوالبحارُ تصهلُ بالضّياعِسألونا :مَنْ يسألُ المَرْجانَ عن عُذوبةِ الأعماقِ؟مَنْ يسألُ الحيتانَ التي ما فرّطت بحبيبٍ عن شهقةِ القُبلةِ الأولى؟سألونا :مَن يسألُ الخالقَ عن مخلوقِهِ؟ونسألُ :ما تخفي وراءك أيّها الخالقُ؟هي شُرفتي التي عليها دائماً تهبّ الرّيحولا يتفاداها في كلِّ أسفارِهِ قمرٌهي شُرفتي التي تآخي الموجَهي مقهى السحائبِ التي أنهكها الرّحيلُهي حانةُ الأكوانِهنا منضدةٌ للنجومِ العاشقةِتلك للزهرةِ المُغتلمةِوعلى مسافةٍ يحتسي نبتونكأساً مِن نقيعِ المشمشِومِن رحيقِ حوريةٍ تفجّرتْ شهوةً هذا النهارهنا تدبُّ الأحياءُهل غادرْنا زهوَ المكانِ أم غادرتْنا الأحياءُ؟هل نامت في فراشي فرسٌ نافرة؟هل كانت ضيفتي غيمة آبقة؟كنتُ في برزخٍ مجهولٍتأخذُني سنّةٌ مِن نوم
2 ـ أبوابُ الموتِ
تلك بابٌ تُفْتَحُ على شعابٍ في بحرِ إيجةتلك بابُ البهوِأقصدُ بابَ القبرِوكنّا عَبَرْنا حقلَ المَرْجانبحثاً عن أجسادٍ تركتْ قاعاًفادخلْ وتَعَبّدْمِن بابِ الماءِ ادخلْهم زوّقوا صدرَ المَعْبَدفادخلْ جميلاًتقيّاً ادخلْ و نقيّاًتلك بابٌ مِن طلاءِ الصحراءمِن طوقٍ رَمْليٍّ تحرسُهُ الغَضَامِن حَيْرَةِ القطاتلك بابٌ منها تأتي أطيارٌ وجرادٌومنها تأتي الركبانُادخلْ وأغلقْبابَ المفازةِ الأخيرةِادخلْها واجعلْ طوافَكحولَ قبرٍ جماعيٍّ للعراقيينأو مِن بابِ ملائكةٍ تشرعُأمام السماءِ ادخلْومِن فوق جنحِ الرّيحِ صلِّصلِّ حين تدخلُ تلك الأبوابَوتَعَبّدْ
3 ـ نهاية المشهد
اخبطْ ما شئتَ في هذا اليمِّفالموجةُ لا تحملُ جسداً مشبوباًأو فكراً مشبوهاًالموجةُ حوريةُ ماءاخبطْ على صدرِ العفّةِفالموجةُ تحبُّ الشجعاناخبطْ، اخبطْتلك نهايةُ أمرٍوتلك خاتمةُ المشهد
4 ـ مرتحل
أنّى ارتوينا وجدناك ظامئاًتتحرّشُ بالخمرِ والندىوفي حانةٍ تطلُّ على أحزانِ شطِّ العربِكنتَ زورقاً للرحيلِ الأبديّولم ترحل يوماً ماأنى ارتحلْنا وجدناك عاثراً وبنا تصيحُ:أنتم مَن صادرَ السفينةَسل أرصفةَ المنافيعن أزهارٍ نبتت فوقَ قبورِ المنفيينوتحت الأعماقِ سل المَرْجانهل مرَّ به ركبٌ للعراقيين ؟
5 ـ أسئلة الصباح
على شرفتي التي أطلَّ منها ذاتَ ليلٍ قمرٌ شريدٌأُريقَ مِن جسدِ البهاءِ صبحٌورقصتْ مع النسيمِ طيورٌ عابرةٌيا هذا المنشغلُ بقهوةِ المسافرِمَنْ أراقَ الضوءَ فوقَ شراشفي؟مَنْ أطلقَ على تلك الطيورِ نداءً؟ومِنْ على وردِ حدائقي مَنْ سرَّحَ الندى؟
6 ـ وشمٌ آخر
على جسدي الذي استمرأ الخيانةَوشمُ امرأةٍ أسكرتْها القبلاتُونامت في قاربي الجميلِقالت : ستأتي الشمسُ وفوق مياهيالتي صادرَها الليلُ سترقصُفي قلبِ صحرائي الشاسعةِ سترقصُعلى روحي المغامرِ وشمُ امرأةٍلبطت في الجوارِ
7 ـ همسٌ في وسادة
أيُّها الصبحُ الفاجرُ البهاءفي حضرتِك سأُطلقُ دمعتينهما مِن غيمةٍ سبحتْ في محجريّثم استوتْ بحراًفمَنْ غيرك بطلِّها يبحرُ؟أيّها الصبحُ الشاهقُ الحضورجئتُ أُطرِّزَك بهمسِقبلاتٍ علقَ في وسادتيمنذ البارحة
8 ـ نجمة الدليل الحائرةمِن البدويِّ المُتَلَفِّعِ بروحِ الصحراءاستعرْنا عباءةَ ليلونجمةً مِن بلُّوروأقسمْنا أنْ نعيدَهما إليه حين نصلُ سالمينقال البدويُّ المُتمرسُ في الإسراء:ضعوا النجمةَ على الخدِّ الأيمنوبعباءةِ الظلامِ التحفواتوكّلنا على اللهبعد إسرائنا الطويلِ والطويلواجهْنا بحراً يتوّجُ، في حفلٍ بهيجٍ، موجةً داعرةًأمرَنا بالبيعةِ فبايعْناثم بايعْنا وبايعْناحتى نسينا أنْ نعيدَ للبدويِّنجمةَ الدليلثم نسينا على أجسادِناعباءةَ ليللكننا لم ننسَأنْ نتبادلَ مع الموجةِقبلةَ الرحيل
9 ـ دعوة أخرى
لو دعوتني إلى مائدةٍمنصوبةٍ على سطحِ سفينةٍ راسيةٍ في ميناءلو دعوتني ودعوتَ إليها شمساً وأقماراًوكائناتِ اللذّةِلو جعلتَ الموجَ يمدُّ أعناقَهُ فضولاًوبكفّيك لو صفّقتَ لطيورِ المساءوقلتَ لها تهاطلي يا شجيةَ التغريدِلو أتيتني بقارّةِ نخيلِلو رقصَ فوق رؤوسِنا النورسُلو استجلبتَ النسيمَوأمرتَهُ أنْ يحملَ كلَّ عطورِ الدُّنيالو جلبَ لنا الفراشُكلَّ ألوانِ المتعةِ وطعّمَ برحيقِ الزهرِجسدَ السفينةِلو فرشتَ الأرضَ بروحِ الحريرِوشغافِ طيبِ النفوسِثم سكبتَ في كأسيمِن كؤوسِ الجنّةِ ريقاً مُسكراًلو جعلتَ الشمسَ ترضعُ مِن خموريلو جعلتَها ترقصُ في أنهاري شهوةًلو خرجتْ تميسُ عاريةًلو توّجتني مليكاًلو أخضعتَ مِن أجلي الأنسَ والجانلو عبّدتَ لي طرقَ السماءلولوفعلتَ المستحيلَلما خنتُ العراق
10 ـ فستان مارلين مونرو
على جسرٍ مشاكسٍ في برلينهبّت ريحٌ شبقيةٌعصفتْ بين أفخاذِ النساءاللاتي صرْنَ يَحْلُمْنَ في تلك الأثناءبفستانِ مارلين مونرو الجميلةالذي في جوفِهِ دارتْ ريحٌ همجيةٌصادرتِ الصّمتَوأدخلتْهُ التاريخَفوق جسرِ الكاتدرائية الشهيرِالحالمِ بموجِ نهرِ شبريهوأجسادِ السائحاتِصارت تأتي الريحُ عنوةًوعنوةً تأتي النسوةُفيما ظلّت آلاتُ التصويرِتترقّبُ ريحاًفي أيدي رجالٍ غرباءتلك أيامٌ صيفيةٌ في برلينالتي لا تعرفُ مِن الأُنثى أنوثةًومِن الرجالِ لا تعرفُ رجولةًتلك كانت أياماً وحسب
11 ـ المكان
البيتُ الذي حاورتُهُ البارحةَمثل طللٍ حبيبٍغادر المكانَ خلسةًمثل حافلةٍ غريبةٍمثل عابرِ سبيلِ
12 ـ الشحّاذفي شارعِ الحمّام Bad strasseالذي يقطنُهُ المهاجرونوتقطعُهُ صيحاتُ الباعةِ الأتراكشحّاذٌ ينتبذُ مكاناً آمناً على الرصيفِمكانُهُ بضعُ طابوقاتٍ في الخلاءفي شارع الحمّامشحّاذٌ يأكلُ بعيونِهِ المارّةَوبلسانِهِ مَن استطاعَ حواراًلم يوفّرْ أحداً هذا الشحّاذُيعرفُه القاصي والدانيوبهيئتِهِ العامرةِ يعرفُ كلَّ الأشياءشحّاذٌ له يتوددُ الألمانُويقصدُهُ خوفاً الغرباءُهذا النهار رأيتُهُ يُصافحُ السيدةَ أنجيلا ميركلمستشار ألمانيا العظيمةهذا النهار التقطتُ له، وهو في أحسنِ هندامٍ، صورةًالشحّاذُ كانفي أصفى ابتسامةٍ ارتسمتْفوق مُحيّا كائنٍ عجيبٍالشحّاذ كانفي مكانِه على الرصيفِ آمناًمثلما كان
13 ـ ذي قار
ادفع .. ادفعفهذا زورقُ ليلوالنهرُ أفّاقٌ غادروالموجُ دفّاقٌ ثقيلومِن شجرِ الحَوَرِحوّرنا بطنَ الجرفِورممنا شوقَ المركبِوقبلنا مرّتْ أشرعةٌ افترسها الموجُادفع .. ادفعولا تخشَ الطينَ المتسلطَ في الأعماقفمِنّا لا تهربُ القلوعُادفع .. ادفعذي قار في الطريقِذي قار كوني بديلاً لعزّةٍ مفقودةٍواجمعي أمةً تفرّقت ثم ذُلّتادفع .. ادفعفهذا الماءُ رقراقٌومِن ورقِ السنديانِابتنينا قصوراً في الهواءكنّا في أقصى سوْراتِ الطوفانكنّا بوجهِ السيلِخلف كتائبِ الملك الكنعانيالقادمِ مِن شنعاركنّا نمدُّ بالرجالِ وبالأفراسِ وبالأسيافجيوشاً زاحفةًسنحطِّمُ جحافلَ الأعداءكنّا قوافلَ الرمالمِن حرّان حتى أكتافِ سهلِ السوادِادفع .. ادفعفخيولُ الموتِ طرقتْ أبوابَ البصرةونحن على مقربةٍ مِن تلك الخطوةِننحتُ في صدرِ الجبلِ الصحراويِّ سنام صنماًللربِّ المعتلي ظهرَ دبابةادفع يا هذا الملتاعُها قد وصلْناوعن طاحونةِ الموتِلم تبقَ سوى ساعةٍرميةِ حجرٍثمة ذي قارأرضُ سوادٍ باعها الزارعُ والسقّاءُوعافَها الناطورُادفع .. ادفعفما عدنا نخشى القصبَ المأجورَولا ليلَ البرديّ المسحورفلتأتِ يا عصفور الفجرِ بأطيافِ الليلِ الطينيِّولتأتِ مثلك شمسُفنحن على أبوابِ البصرةِما بين صهيلِ الرّمحِ وبين النهروانفلتأتِ يا سيف الربِّ
14 ـ النهر الميت
لا يُذكرُني بشيءٍهذا النهرُ الميتُ في قلبِ برلينهذا النهرُ مثل شريانٍ عليللا تدنو منه الأحياءلا تسبحُ فيه الأشياءلا ريح تهبُّ عليهلا شجر يطلعُ على ضفتيههذا نهرٌ مِن ماءليس ماء
15 ـ الضلّيل
أنتَ عاشقٌ ضلِّيلآخيتَ البرّيّةَ ورحلةَ الماءوصرتَ الهيامَ الجميلأيُّها العاشقُ المجنونُتلك ديارٌ خَلَتْ مِن أهلِهاكانت للأحبابِ ملاذاًوتلك رائحةُ القوافل فاتبعْ نداهاونداءَ روحِك المُهتاجاتبعْ حداءَ حادٍ نأىوظلَّ في الأعماقِ يترددُأنتَ مركبٌ ضلِّيلنحو الخاتمةِ أخذتْك موجةٌ فاجرةهناك .. فوق شهقةِ الزَّبدِ المنسيِّ تبددتْوأنتَ أقربُ للحطامِصرتَ لوحاً ينأى عن لوحٍأيُّها المركبُ الذي به غدرتْ موجةٌهل علّمتْك الأسفارُ صهيلَ الأشرعة ؟هل أخبرتْك العواصفُ مكمنَ القبطان ؟أيُّها العاشقُ الضلِّيلعن هائمٍ لم يدرك جنحَ الطيرِحدثتْني ذات ساعةِ زهوٍ سماءُقالت : جاء يُكحِّلُ عيونَ غيمةٍ استمطرها الحنينُجاء يُداوي جفنَ طائرٍ نوّاحأنتَ عاشقٌ ضلِّيلمركبُ الأشجانِدخلتَ مِن روحي بحراً متاهةًوغبتَ فيهضعتَ في شعابِهِتلك صحرائي القاتلةباديةُ الله التي لم تكن يوماً يباباًتلك مياهي المَهلكةفامكثْ ما شئتَعلّك تجدُ في قاعِها طللاًأو موجةً حانية