

رِحْلَةُ أَمْنِسْتانْ
حدّثني أبو ضياء؛ قال:
قرّرت الدخول إلى أمنستان، فألقيتُ بصُرّة حوائجي في جُبٍّ، وفتّشت جيوبي لأفرغها حتى لا يتبقَّى فيها أدنى شيء يمكن أن يكون موضوع شكٍّ. وفتَّشتُ في رأسي عن الأفكار التي من الممكن أن يعتبرَها أهلُ البلد الذي أنا داخلُه، مُخِلَّةً بأمْنه؛ فألقيتُها إلى غياهب اللاشعور. وفي النهاية، عدَّلتُ هيأتي، ووقفتي حتى لا أبدوَ غنيا أو فقيرا، أو متكبرا أو حقيرا؛ ثم دقَقْتُ بوّابة البلد الوسطى كما أوصاني بذلك أستاذي أبو جِنان؛ إذ كانت هنالك بوابتان أخريان، واحدة في أقٌصى الطرف الأيمن، وأخرى في أقصى الطرف الأيسر. ولمَّا أُذِنَ لي بالدخول، وجدتُ كلَّ ما في البلد، من رصاص: الأرضيات، الحيطان، الأشجار، النافورات، تماثيل الحيوانات، وغير ذلك مِمّا نجده في البلدان العادية. ولم ترَ عيني ـ بعد زمن من التجول ـ أيَّ إنسان له هيأتي. رأيت فقط كائنات من رصاص لها شكل الآدميين، لكنها تمشي كالآلات. كائنات غريبة ظلت تتبعني وتراقبني؛ ومن حين لآخر تخاطبني بصوت معدني قائلةً:سِرْ... قِفْ... دُرْ... مِلْ... كُلْ... نَمْ... صَهْ... خَلْ... وافِقْ... صفِّقْ... وهذا كُلّ كلامها.
وكنت قد قضّيتُ بأمنستان يومين خلتهما دهرا. أتجول في شوارعها القفرة الباردة، وآكل العدس وأنا على سرير من رصاص أعدّوه لي، ولا أكلم إلا نفسي، إلى أن رأيت خيالا صغيرا يمرُقُ من زقاق إلى آخر؛ فجريت في إثره أملا في تعرُّفِه واستفساره عن سكان البلد، وعاداتهم، فما عثرت عليه، ولكنني عثرت على بصْمةٍ بخمسة أصابع دقيقة مرتعشة، مِمّا أوحى إلي بأنها لإنسان. وفي ليلتي الأخيرة، وبينما أنا منهمك في تتبع صور البلد الرصاصي على شاشة ذاكرتي؛ انبثق بجانبي طفل هو ذاك الخيال الهارِب. فابتسم لي، وقال:أنا رشيد. فسألته:كيف دخلتَ غرفتي؟، فأشار إلى مربَّعٍ لم أنتبه له في الحائط. فقلت: تقتحمون بيوت الناس؟ فردَّ: إنهم رجال الضّبط من يفعلون. وأضاف:أنا لستُ منهم، وإنما جئتُ لأتحدّثَ معك.
وكان أن وجدتُه طفلا ذكيا فسألته:لماذا يفعلون ذلك؟ فقال:إنهم يخافون. ونظر حوله، ثم أضاف: لقد تأخرت... سأنصرف قبل أن يكتشفوا أمري. وقبل أن يختفي، سمعته يقول:انتبه! البلد الحقيقي يوجد خلف حيطان الرصاص.
وقبل أن يطلع النهار، جاءتني آلتان، وحملتاني على مثن سيارة مُصفّحة باتجاه الأسوار. ففهمت أنني غير مرغوب في. و في طريقي، لمحتُ أناسا يحفرون، يجرّون، يرفعون، يبْنون، فيما يشبه ورشة عظيمة؛ وفيهم آلات بشرية تصعقهم إن هم توقفوا عن العمل و الكد. وكان ذالك المنظر من قبيل ما رأيت في بلاد فرعون. ولما بلَغتْ بي الآلتان مرتفعاً، رأيت قصورا وبساتين، وأناساً في لباس جميل، آكلين، شاربين، ضاحكين، راقصين، متحابّين، وأطفالا كالفراشات متناقزين...
وعندما بلغنا البوابة، رموني عبرها كما يُرمى كيسُ البطاطا، فسمعتُ الصوتَ المعدني ذاتَه يقول:حذار... حذار... انْسَ ما رأيتَ... انس ما رأيتَ...
وعند الجُبِّ، رأيتُ حوائجي مستخرجةً منه، مُبعثرة، ومُفتشةَ تفتيشا.