

رِحلة قُبْقُبْلانْدْ
حدثني أبو ضياء؛ قال:
دخلتُ على أستاذي أبي جِنان، فوجدته غارقا في الأنواِر والأفكاِر، ومن حوله القناديلُ المذهَّبةُ، والفوانيسُ المؤطرةُ بالزجاجِ النادرِ، والشموعُ المحمولةُ على شمعدانات مرصعةٍ بالجواهر، والكتبُ المرقَّشةُ بماء الذهب، والصحفُ المخطوطةُ باللُّجَيْن البرَّاق، وعيناه الخضراوان محجوبتان بنور التأمُّل العميق، فما كلّمني حتى رجع من الأمر الذي كان يستغرقُه؛ فقال لي:«لن يسمحوا لك بالدخول إلى قُبْقُبْلانْد حتى تقولَ لهم إن لديك هديةً لكبيرهم؛ فهم قوم يحبون الهدايا». فاسْتَسْحَرَ من تحت عباءته ساعة مائية ذهبية، وقال لي:«هذه هي الهدية»ثم غطس في التفكير، ففهمتُ أن القولَ بلغ حدَّه، وأنه يتوجَّبُ عليَّ الرحيل.
فركبتُ مركبي على ظهر الموجِ الأوّلِ رأسا إلى قبقبلاند. وكنتُ فكرتُ في التوقّفِ ببلاد زُقْزُقِسْتانْ، لكن مهمازَ الشوق إلى البلد المرام نخس عزيمتي، فلم أشعرْ إلا وأنا على الأبواب.
وكنت قرأت أنها «بلد الفقراء» فقير على الرغم من ثرواته الطبيعية، ولذلك اجتمع أهلُها ذات يوم، وتناقشوا في وضعهم الفقير، فقرروا أن يجعلوا من بينهم فئة من الأغنياء حتى يشابهوا باقي بلدان المعمور. فقال قائل منهم:"لِنصْطَفِ منا قوما للغنى، فهلم للتسابق!" وقال آخر:" لنجعلهم يتجاروا، فمن يسبق يكن له كاملُ الاستحقاق" وآخر:«التسابقُ جريا مللناه، ونحن لنا ستة وثلاثون معضلة، فلنخترْ سِباق الكذبِ؛ ومن يكذبْ علينا أفضل كذبة تَكُنْ له عصا السَّبق». ورحبوا بالفكرة، وشرع كل من له طَمَحٌ أو طَمَع، في الكذب، والناس يصدحون لأفضل الكذابين، حتى اكتمل نصابهم، فأدخلوهم قبة تحتها مُدَرّجٌ للمناقشات، وبجانبها غرفة للطّبْخ، يطبخون فيها ما لذ وطاب لهم. ولم يكْفِهم ذلك، بل ألبسوا الفائزين في الكذب لبوسا يُحصنهم من الأذى:شكّاتٍ معدنيةً واقية من العصي والحجارة والبصاق والسيوف؛ شكّات شبيهة بتلك التي كان يرتديها فرسانُ المائدة المستديرة في القرون الغابرة. ووضعوا على رؤوسهم "قُبوباً" بيضاء لتحميهم من القدح والصفع، وفرضوا على جراد الناس تلقيبهم ب"الكذابين المحترمين" احتراما لاختيار أرعنَ اختاروه.
قال أبو ضياء:وقفتُ على البلد على عدْوَةٍ يجري من تحتها نهر عظيم، على باب كبير ليس عليه حارس. فدخلته إلى شارعٍ رئيسٍ بُنِيت على جنباته مَقَاهٍ ومكتباتٌ ومُلحقاتٌ إداريةٌ وأبناك وسْناكات ومركزُ بريد واتصالات ومحلات تجارية أخرى؛ ولم يكن في الشارع أحد. ولم يكن اليوم الذي كنت فيه يومَ عطلة، ولا يوم حرب، ولا يوم قيامة. والشوارع الثانوية، والأزقة هي الأخرى خالية. فما كان مني إلاّ أن جلستُ قبالة القُبّة الشهيرة في انتظار حدوث حادث.
فجأة، انبعثت من المحيط رائحة الكذب مخلوطة برائحة الدّم والتهديد. وإني أصدقك القول؛ نعم؛ شعرتُ بالخوف. فتحسست الساعة الذهبية وقلت لنفسي:«هذه مُنقذتي إذا ما طرأ طارئ... أُعطيها لرئيسهم فأنجو بجلدتي» وما هي إلا دقائقٌ خمسٌ، حتى تفجَّرت في الشوارع والأزقة سيولٌ من الناس يحملون العصي، والخناجر والسيوف والمعاول والمذاري؛ وهُمْ على ظهور البغال والأحصنة والسيارات والجمال؛ ومنهم من تسلَّح بالمفاتيح الضخمة العتيقة التي تغوَّط عليها الزمان، ومن تسلَّح بالمظلات والحجارة التي تُبنى بها بيوت الفقراء؛ وكلٌّ تسلَّح بسلاح. وراحوا يتقاتلون حتى لم يُبقوا منهم إلا ستةً وثلاثين زعيما أكْرَشين. فألقوا بأسلحتهم، وتعانقوا، وتغامزوا، وأحضروا «الشيخات» و«الّرّوج» لهم وللفقراء الذين قاتلوا لهم، وجعلوا ذلك اليوم عرسا «حداثيا» لم أر في المعمور مثله. ثم ألبسوا الفائزين لبوس الحديد، ليسودوا لسنوات من الرصاص؛ ثم أدخلوهم القبة المعلومة متبوعين بصخب الطبول والمزامير والطعاريج والدفوف؛ ومن الناس المستضعفين مَنْ قرع لهم موسيقى الجازالأسود، والرَّاي الأبيض، و"العَيْضة" الحمراء، فأقفل أولئك عنهم الباب؛ وقفل هولاء إلى بيوتهم بأجبنة تلكَّدَ عليها التهديدُ والعرق والبؤس....
وعادت الأمور كما كانت، وأسررتُ لنفسي:«لن أعود إلا بعدما أعرف ماذا يجري داخل القبّة المهيبة. فتقدّمتُ من كبير حُرّاسِها الذي انتبه إلى الساعة الذهبية، وفهم قصدي، فأخذها منّي، وقال:سأسمح لك بالتلصُّص فقط».
فقادني إلى سلّم تصعّدته إلى كوة، فأطللت منها... ونظرتُ مرّة أخرى إلى الشارع، فرأيتُ الناسَ قد بدأوا يعودون إلى أشغالهم في انكسار وخضوع وذلّ «حداثي»، تحت سماء صافية هادئة. وتحت القبّة، فسخ«القُبْقُبْلانْدِيون» شكّاتهم المعدنية، وراحوا يتجادلون في أمور لم أفهمْها؛ تارة في جوٍّ من الخشوع والخوف، وتارة أخرى في جوّ من الهرج والتلاسن البديئ. وفي النهاية، أخضروا قصعة كُسْكُس قِياسية صنعها لهم ممثِّلٌ فاشل، وتحلقوا حولها كالذباب الجائع، وشرعوا يلتهمونها بشكل بشع، وهم يتدافعون بالأكواع، وعلى رأسهم كبيرهم بمطرقة ينقر بها على رأس هذا أو ذاك ممّن يتكلم وفمُه ملآن؛ ويَقُبُّ يدَ كلِّ من لمْ يمدُده بلحمة أو لفتة:
ـ كلواْ في صمت! واستُرونا فضحكُم الله! كان يقول لهم.
بلادي جميلةٌ ما فيها «أكَلَةٌ» كانِباليون... بلادي جزيرةٌ سكّانُها مستغربون... بلادي «غُرْباتْيا» تتميّزُ بالتقشّف، لكنّها تتميّزُ أيضاً بالسخاء... بلادي جزيرة مفتوحة لكلّ المستغربين في العالم؛ فمرحباً بكلّ من يريد «الحقّ في اللجوء الوجودي» في بلادي التي ستبقى غرباتيا... غرباتيا... غرباتيا... غرباتيا... غرباتيا... غرباتيا إلى أن يستقيم العالم أو يفنى.