

رحلتا نْگولو نگولو - والو والو
حدثني أبو ضياء، قال:
رحم الله أستاذي أبا جِنان حيث أشعل في عقلي نارَ الشوق إلى زيارتهما؛ بحكيه البسيط عنهما. فأعددت عُدَّتي وركبتُ قاربي، فراحلتي، وطويت بالصبر بلاد تاوزغا، وبالحيلة سلكتُ بلاد تيفيزيا، حتى شارفت المدخل الجنوبي لبلاد والوـ والو في صباح جميل هادئ شاعري؛ فرأيت ديارا متواضعة متراكبة في ضيق، مع أن البلدَ رحبٌ فسيح. وما إن تخطّيتُ البوابة، حتى استحضرت قول أبي جِنان:"سترى العجب العجاب"، الناس حُمْرٌ يمارسون أنشطة الحياة العادية لكن بنرفزة «بتعبير أهل المستقبل». فما إن أفشيتُ السلام على أحدهم، حتى صرخ في وجهي هذا الكلام:"لا سلام...لا خير في الدنيا...لا تجارة...لا علم...لا دين... لا أخلاق... لا صديق...والو...والو..." وكنت لا أفهم كلمة "والو" وهي تعني "لاشيء"، ويتّخذونها فلسفة إنكارية تساعدهم ـ ربما ـ على تحمل "إكْراهات" الحياة وقسوة السياسة.
فألمَّ بي الجوع، وقلتُ لطعَّام :(صُغْ لي سَنْدْوِتْشا)، فثارت ثائرتُه، وقال:
– أترى هذا الطعام؟ نستورده من بلاد نگولو ـ نگولو؛ وهو والو ـ والو
ولما ناولته النقود، رماها بعيدا وصرخ:"وحتى هذه...كل شيء والو في هذا البلد". وتدخَّل واحد منهم طويلٌ بغْلٌ شديد الحمرة، وسألني:"من أي بلد أنت؟" ولما أجبته:"من غُرْبَاتْيا"، جحظتْ عيناه حتى صار يبدو كالعفريت، ودار في من حوله سائلا:"يا ناس؛ هل هذا السؤال الذي طرحت، سؤال؟" فأجابوا دفعة واحدة:" بل هو والو...والو." ولما خِفت على عقلي من جنونهم، حضضتُ راحلتي على السير إلى بلاد نگولو ـ نگولو التي تحدها شرقا ثلاثة بلدان:بَنْجيكا، رُوجْيا، وخُرافيا. فدخلتها هي الأخرى من جنوبها، فوجدتُ أهلها خُضْرا، سِمانا، ضُحَكَةً يشربون من نهر ماء الحياة المنحدر من رُوجْيا، ويطربون لأتفه الأسباب، ولمّا رأوني بلباسي الغريب، أكرموني بالكلام. وأكلتُ فيهم عند طعَّامٍ، وعند الحساب، أخذ مني كلَّ ما أملك من نقود، وقال:"الدنيا بخير، والعامُ زين...نگولو...نگولو" ورأيتُ واحدا يموت، يفصدون عروقه، وهو فيهم بهذا الهُراء:"أنا بخير... نگولو...لكن لا تنسوا تجارتي، وحقي في الأرباح". ورأيتُ أشجارا ذابلة، ونساءً متهتكات، وآلةً تؤرِّبُ عددا منهن ...وأشياء أخرى لا يستسيغها العقل السليم. ولما استفسرتهم عن ذلك، تعالوا بالضحك، وقالوا:"الواحدُ منا هكذا، يجب أن يضحك، ويقول الدنيا بخير وإلا تحوَّلَ إلى واحد من أهل والو ـ والو، فيصير لونه أحمر". وأضاف آخر:"و العكس صحيح". وفجّروها قهقهة مُطولة، وتمرّغوا على الأرض من فرطِها.
مكثتُ فيهم أياما إلى أن زارني حاكمهم، وهو رجل مُكَوّرٌ شديد الخضرة ولا يكفُّ عن الضحك، وقال لي:"أيها الغريب، اليوم يوم الحملة". وراح يُكَرْكِر ويتدحرج مثل كرة. وكان هو يوم الصراع الذي يحل عندهم كلّ خمس سنوات.
اصْطَفَّ الفريقان الخصمان على حدود بلديْهِما، وشرعوا يتراشقون بهذا الكلام:
ــ الخُضر: نگولو...نگولو...كل شيء بخير.
ــ الحُمر: والو...والو... لا... لا شيء بخير.
واستمرّوا يُردّدون هذا الكلام حتى بدأ بعضُ هولاء أو أولئك يتحوّلُ من أخضر إلى أحمر (أو العكس). آنذاك يلتحقُ كلُّ من تغيّر لونُه، إلى الجهة الأخرى، ليهتفَ بعكس الشعار الذي كان يهتف به؛ فيعيش في بلدِه الجديد/القديم، إما حِمارا سعيداً ضاحكا، أو بغْلا شقيّاً مُكتئبا.
ولمّا كانت معاركهم الكلامية لا تُحسم أبدا، فإنهم يعمدون إلى التسابّ، والتلاكم في جوٍّ يُشبه المسرح...
هل كنت لأصبر على هذا الجنون؟ لا طبعا! ولهذا حضضت راحلتي إلى بلدي الحبيب:غُرْبَاتْيا...