الأربعاء ١٧ آذار (مارس) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

رحلة مَقْلوبْيا

حدّثني أبو ضياء؛ قال:

استطلعتُ خرائطَ الإدريسي، فوجدتُ مَقْلوبْيا على شكل مركب جنوب المعمور؛ وتخترقه من الشرق إلى الغرب. وهو بلد يُخيّل إليك ركوبُه قد يُبحر بك من عالم الرخاء إلى عالم الجفاف، والعكس هو ما تجده. ولقد وجدتُه خصبا فيه جبال، وغابات، وسهول؛ وناسُه في مثل صورتنا، لكن سلوكَهم ما رأت عيناي أبعث منه على الضحك والاستغراب. أتعرف يا صاحبي؟ رأيتهم يبنون البنى من فوق إلى تحت، وقناطر على أراضي مستوية لا يمر من فوقها أو تحتها أحد. وطرقات يُعبِّدونها ثم يحفرونها ليضعوا قنوات المجاري المائية. والمدارس يدخلون إليها أطفالا عارفين فيخرجون منها رجالا أميين. والمشاكل، لما تحلُّ بهم، يبحثون لها عن مشاكل لحلها، ومثل هذه الأمور الخرقاء كثير: ينامون بالنهار ويفيقون بالليل، وإذا أرادوا جهةً، مشوا إليها بالخلف. يسجنون البريء، ويطلقون سراح الجاني. يبنون المباني في أسرَّة الأودية، ويخصصون المساحات الخضراء ليلعبوا عليها لعبة مضحكة، كرة صغيرة يضربونها بعصا من حفرة إلى أخرى، ويتبعونها في جمهرة صامتين، حتى إذا ما ولجت واحدةً من الحُفر، فجّروا الزغاريد والتصفيقات . والكلام عندهم مثل الكلام عندنا لكنك لا تفهمه:"سأعطيك" معناه عندهم"سأسلبك" و"بابي مفتوح في وجهك" يعني "اصفقوا الباب في وجهه"؛ و"الحبّ" يسمونه "تجارة"، و"الرشوة" عندهم "حلاوة"، و"الخضوع" عندهم "حكمة"، و"المرأة" يسمّونها "مِبْولة"، و"الانتهازي" يعتبرونه "فاهما"، و"المثقّف الملتزم بقضايا المهمّشين" يعتقدونَه "أحمق"، و"الصوفي الفيلسوف" يُسمّونَه "كافرا"، و"القوّادةُ صاحبة الحانة ودور الدّعارة" يطلقون عليها اسم "الحاجّة"، و"الفتاة الجميلة الفقيرة" تعني لهم "بضاعة"، و"الجاهل" يطلقون عليه كلمةً لم أجدها في قاموسٍ أو ناموس، إذ يقولون له "الفَقِي"، و"الشغل" عندهم"هراوة"... ومثل هذا الخرق كثير.

حللتُ بهم صباحا فوجدتهم نائمين. فاضطررت لانتظار النهار كلِّه حتى يفيقون، ولما غربت الشمسُ، خرجوا إلى أمورهم، وفتحوا دكاكينهم، وعرضوا سلعهم في الشارع (معرقلين بذلك حركة المرور). وبما أن أستاذي أبا جِنان كان نبَّهني إلى حمقهم، وحذَّرني من "مقلوبيتِهم"، فإنني أخرجتُ كُرّاسةً كان قد دوَّن فيها بعضَ الكلام الضروري للتخاطب معهم.

امتطيت دابّتي كالعادة، وإذا بالناس يضحكون عليّ. وقال أحدهم "هذا رجل أحمق، يركب على الدابّة". وتوجهتُ إلى فندق وقلت لصاحبه:"أنا مرتاح، أريد السهر عندكم" فقال"الفندق مكتظ، هل لديك حلاوة؟" ولما رآني أصعد الدرج كما يفعل العاقلون، قال لي:"أنت تصعد بالمقلوب".

وبعدما ارتحتُ من عناء السفر، خرجت لأجوب شوارع المدينة، فرأيتهم يمشون في وسط الطريق، والعربات تجري على الأرصفة في جو من الأدخنة، والضجيج، والسرعة، والجنون. فحدث أن صدمتْ عربةٌ واحدا وكسّرتْ ضلوعَه، فما أسعفوه أو تحلقوا حوله كما نفعل نحن، وإنما تركوه في مكانه حتى جاءت عربة أخرى فدشدشته، آنذاك جاءت عربة ثالثة فصيرته مثل العصيدة. ومررتُ بنصب كالصومعة، وعليه ساعة يدور عقرباها، واحد بشكل عادي، والآخر بالعكس، فما تعرف الوقت. وهو عندهم مُهملٌ لا قيمة له:الأمرُ الذي يخططون لإنجازه في ساعة، ينجزونه في شهر؛ والأمر الذي يحتاج إتقانُه لشهر من العمل الجادّ، يُنهونَه في طرفة عين. ومثله كثير. لكن ما استغربتُ له أكثر؛ هو طريقتهم في اختيار رؤساء مدنهم؛ حيث يتقابلون في صفين، كل أمام خصمه، ويشرعون في التلاكم، والتضارب، والتسابّ؛ حتى إذا ما دُشدِشت رأس هذا أو ذاك، يعلنون الذي بقي واقفا، فائزاً، وينصبونه رئيسا عليهم، فيصير المتكلم باسمهم، والمدافع عن مصالحه هو. و مثله كثير. فما استحملتُ البقاء في بلد يفكِّر ويتصرّف أهله بالمقلوب؛ فحضضتُ راحلتي إلى الحدود، وجدّفتُ بقوّةٍ نحو بلدي؛ جزيرتي المحبوبة:غُرباتْيا.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى