الخميس ٨ نيسان (أبريل) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

رحلة طُولْـِسَانْ

حدثني أبو ضياء؛ قال:

يُزيِّنُ مدخلَ «طولْـِسانْ» تمثالان لحرباءتين، واحدة خضراء متخفية في دغل كثيف، وعيناها مفترقتان بالنظر إلى السماء وإلى الأرض؛ والثانية حمراء في ديكور من الياسمين الأرجواني والورد الأحمر، ولسانُها مقذوف إلى حشرة. الأولى حائرة، والثانية متلذذة؛ وقد نُقش على لسانها الطويل كلام كثير، بيد أنه لا رأس له ولا ذيل؛ كلام فارغ من أي معنى، ولا هدف منه ـ على ما يبدو ـ سوى إعطاء تلك الحرباء المفترسة وهم الإحساس بالوجود. وكنت قبل يومين واقفا بباب أستاذي أبي جِنان، أفكُّ الرمزَ الذي علَّقه على صدر الباب. وكان عبارة عن رسم لفم مزموم؛ فجاءتني تذكرة معناه: يوم قال لي:«كثير الكلام من قلة الحزم، ودليل على الخوار والكسل؛ وطول اللسان من الجبن وقلة العقل؛ وفي كثير من الأحيان يتوجب على الإنسان أن يصمت؛ فالإنسان ليس حيوانا متكلما بدون انقطاع؛ وإنما الإنسان ذاك الذي يقول ما يريد بالعمل والفعل». فعرفتُ أنه عرفَ أني مُقبِلٌ على زيارة بلد «طُولْـِسانْ». وكان ذلك الترميز على بابه، نصيحة لي لأستعين بها على منغلق السفر، وتذكرة لي لأركب بها ركوب التفكر. فاستعنتُ وركبتُ. وها أنا ذا داخلٌ بلدا تُشبهُ خريطتُه لسان أهله شكلا وطولا. وهم أناس مرحون على كل حال، وأقرب إلى الدعابة والنكتة على الرغم من سوء أحوالهم. نشطون مع ضعف الاقتصاد. مؤمنون حتى السذاجة بالمستحيل. طيبون إلى أبعد الحدود. لا يتقاتلون ولا يقاتلون أبدا. مما جعل بلدهم - الغني بطبيعته ـ عرضة للأطماع. ولذلك تعاقبت عليهم سائر أشكال الاحتلال. كبيرهم قصير، لكن لسانه أطول منه. وباللسان فقط يقضي أموره فيهم ويا للعجب!

دخلتُ صباحا عاصمتهم في يوم يسمونه «يوم التواصل»، وكان حاكمهم برفقة حاشيته يخطب فيهم، ومتى طرح عليهم سؤالا، أجابوا دفعة واحدة بكلمة واحدة، يكررونها دون عياء؛ وهي كلمة «كَايْنَة» ومعناها في لغتهم «موجود»ة بعكس معناه عند شعب الألمان الذي سيأتي. وجدته يقول لهم:

ـ سنحاربُ الغش. فيردون

ـ كايْنة.

ـ سنحارب الرشوة والفقر.

ـ كايْنة.

ـ سنحارب العدو الذي يسكن بين ضلوعنا، والأميةَ التي تنخر عظامنا، و لوبيات الفساد، والمتاجرين في الأطفال والنساء، والمروجين لثقافة الرداءة...

ـ كايْنة.

ـ والعدل، والمساواة بين الرجال والنساء، والنهضة العلمية، وحقوق الإنسان، والنزاهة في الانتخابات...

ـ كايْنة.

ـ وتوزيع الأراضي والثروات بالعدل على عموم الناس...

ـ كايْنة.

ـ والعيش الكريم، والصحة للجميع، والسكن، والتأمين المحترم على المعاش، ولا أحد فوق القانون، وحرية التفكير، وحرية التدين، ونحن منكم، وأنتم مِنا، ولا لاختلاس المال العام...

ـ كايْنة.

وكان الحاكم، كلما قال قولا زاد لسانه طولا، وتدَلّى، وجفَّ؛ فتهرع حاشيته لتبليله بالشراب ورده إلى منطلقه؛ وفي لحظة تعب وصمت نبح حيوان فردوا عليه:

ـ ...

ولمّا غربت الشمس، تفرقوا، إلا قليلا منهم أطال الترديد ألسنتهم حتى صارت أمامهم مثل كوم من الحبال فلم يستطيعوا مغادرة المكان. وجاء واحد (ظل صامتا) فشرع يردُّ الألسنة إلى الأفواه المتشدقة إشفاقاً عليها؛ حتى إذا ما أنهى واجبه وطلب منهم أن يعودوا إلى أكواخهم قالوا له:

ـ وحتى هاذي ... كايْنة.

و تابع أبو ضياء:"فجلست بمقهى لبعض الراحة، وللنظر في أحوالهم عن قرب. مقهى مؤثث ومُزين على طراز بناه واحد من "الطولسانيين" الأثرياء، يزوره الرجال دون النساء لغاية إنفاق الوقت في الكلام الفارغ والمشاريع التي لن تتحقق، والأماني والأحلام والتعليقات الجزافية عن أي أمر خطر ببالهم، وتلك اللازمة "كايْنة"، لا يكفّون عن ترديدها حتى كادت رأسي تنفجر بها وحدها، لا بسبب أطنان الكلام المثرثر الذي يغرقون به المكان.

ومن الأمور التي سمعتُ منهم (إذ الحياة عندهم مبنية على القول لا على الفعل): سنصنع صاروخا نضاهي به من فاتونا تقدّما... سنباري ونهزم شعوب العالم في الرياضات... سنكتشف الذهب الأسود وسنعمم نفعه على عموم الناس... سيكون لنا سلاح قوي وسنخضع به كل عدو... على الرغم من أن صوتي به حشرجة حمارية، سأصير نجما من نجوم الأغنية العالمية... لم أقرا كتابا، لكنني سأصبح واحدا من كبار الأدباء... لم أقاتل يوما، لكن قلبي على الشهداء... سأكون المدافع الأول على حقوق الإنسان... سوف نبني أكبر دار للصحة في العالم... سوف نحيى فيما يشبه الجنة... سوف نحارب التسويف... إلى ما شابه هذا الكلام، والذي يسمعون له و يردون عليه بكلمة:كايْنة... كايْنة... كايْنة... والألسنة تطول وتتشابك إلى أن اختلطت ببعضها وسدت باب المقهى، وصرتُ فيه كالمعتقل.

ولحسن حظي، جاء ذالك الرجل الذي ظل صامتا، وشرع يفك الألسنة، ويردها إلى أفواهها حتى بان لي مخرج بين لسانين، فانسللتُ منه جريا إلى بلدي غُرِباتْيا...

ـ هل أنت من طولْـِسانْ؟

ـ لا!

ـ الحمد لله.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى