

رحلة سَرَقونْيا
حدثني أبو ضِياءٍ؛ قال:
ولمّا كان لِزاما على كلِّ مغامر أن يستشير من سبقوه، فإنني أخبرت أستاذي أبا جِنان بعزمي على زيارة بلاد سَرَقونْيا، فقال لي:«اذا كان في فمك ضِرسٌ من ذهب، فعُضَّ عليه، لأن أهل ذاك البلد لا بدَّ أن يسرقوه منك في ظرف من المحادثة؛» واعمل بنصيحة رجل سيأتي وسيغني "احض راسك لايفوزوا بك القومان يا فلان«فسألته»هل هو نبيّ؟"، فصبّ من إبريقه جرعة، وقال لي:«قلتُ قولي وانتهيت، وكثير الكلام من رديء المدام، وإذا كنتَ قد عزمتَ فتوكل على الله وعلى نفسك، ولا تقترف خطأ أكْلِ الوقت بالثرثرة». فدفعتُ بمركبي إلى جوف الّبحرِ الفاصل بين بلدنا غُرْباتْيا و بلاد تاوَزْغا، وسرتُ على الحدود الفاصلة بينها وعَجَلِسْتان جنوب المعمور، إلى أن بلغتُ المدخل الغربي لِسرقونيا، الموجود جنوب المعمور شمال مَقْلوبْيا، فوجدتُ لها أبوابا مشرعة ولا حراس يحرسونها؛ وقلت في نفسي والساعة تساوي الأطوال بالظلال:"إنه بلدٌ آمنٌ لا يحتاج أهلُه إلى عسس" وما كدتُ أتخطى عتبةً من عتباته، حتى اختفتْ راحلتي، وحوائجي، وملابسي؛ وكأنني تخطيتُ بابا من أبواب علم الخيال. فوجدتني متلفعا بحشمتي، غير قادر على التقدم أو التأخر، يداً إلى الخلف ويدا إلى الأمام، حائرا مكتئبا؛ لولا امرأة ظهرت لي في لباس الطيبوبة والسخاء، وقدَّمت لي كساءً من عندها، وقالت لي:«خُذْ يا غريبُ لباسي وحاذر أن يسلبوه منك ثانية». ثم اختفت. ولمّا استحال عليَّ أن أشكرها وأنا داخلَ عُرْيي، فإنني شكرتها في أعماق نفسي، فردّتْ:«لا شكر على فعل يحبه الله» وألقت لي من خلف خفائها صُرّة من المال:«هذه هبة من صديقة، فإياك أن يستغفلوك عنها». ثم تلاشى صوتُها كما صدى الغناء. وسرتُ في طريق.... وأمامي شبهُ غابة اخترقتها في صمت؛ فجأة، تجلى لي البلد معمارا متنوعا آهلا بالناس وفي حركة ودأب. في شكلنا. نشطين. قلت لنفسي «هولاء قوم أدب فلم التحذير؟» وبدا لي أنني سأعيش بينهم سعيدا، لبضعة أيام على الأقل. وأنا إلى فندق، اعترضني شابٌّ."يا غريب... يا مستغرب مرحبا بك في بلدنا!" فقلتُ «هذا سيكون دليلي، ففي كلامه بُعدٌ ومعنى».
ـ ما ا سمك يا شباب؟
ـ عزيز. لخدمتك.
ثم مدَّ لي صرةً كنتُ قد رأيت مثلها. فقال لي:
ـ خُذْ صُرَّةَ مالِكَ التي أعطتْكَ تلك الفتاةُ، أحدٌ سرقها منك حين كنت تقرأ كتابا، وأنا سرقتها منه لك.
ـ و لماذا تفعل؟
ـ لأنني مستغرب في هذا البلد ولو أنني من أهله. أنا لا أحب ما يفعلون.
وتأكد لي القول"هذا دليلي" وسار بي في الأسواق، فما رغبتُ في شراء شيء إلا ومنعني، ودلَّني على شيء آخر:"هذا مزوَّرٌ... هذا مغشوش... هذا مضروب... هذا منقوص... هذا مسموم... هذا مرفوض.... هذا مبالغ في ثمنه. هذا مدلَّس... هذا موسوم ..." و نظرات الباعة إليه شزراء.
ـ ألهذا الحد هم عاجزون عن النزاهة؟
ـ إنه داءٌ قديم ألمَّ بهم.المساكين، استوثق بهم داء السرقة.
ـ و هل من علاج؟
ـ إذا كنتَ مهتما بأمرهم فانتظر الليل لترى.
فرأيتُ ما لا تصدقه أذن:من كل بيتٍ خرج أناسٌ في لباس اللصوص، فلَصَّ هذا بيتَ جاره. ولصَّ الجارُ الجارَ الذي يليه، ودارت اللصلصة من دار إلى دار، حتى قفل أول اللصوص إلى داره محملا بثمرة مجهوده اللصِّي، فوجد منزله مشرعا ملصوصا، وعوض أن يغضب أو يأسف، سمعناه يقول «الحمد لله؛ سرقوني»؛ ذلك لأنهم قوم يشعرون بالراحة والتفوق والاقتدار لما يسرقون ويُسْرَقون، وهُمْ في ذلك سواسية، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، أو حقيرهـم أو جليلهم. كلٌّ سارق. كلٌّ مسروق. وهم يعتبرون ما هم عليه، أمرا عاديا، بل ضروريا لأجل العيش.
وتعشينا على بصل قال عنه عزيز «هذا الوحيد الذي لا يقدرون على تغشيشه» ولذلك، كان ألذّ بصل في العالم.
وأما الأشياء الأخرى التي تتغذى عليها جمهرة الآكلين في وسط الأضواء والأدخنة فكلها «هراء».
ولاحت لي تلك التي... و عرفتها على الرغم من... فتركتُ دليلي إليها. وكانت قد رأتني عبر دخان السردين المقلي وصهد الحلزون المسلوق، وبخار الحرائر المُحَرْحرة، وضجيج طبول گْناوَة... فتسلّلتُ عبر لأبخرة الناس؛ فإذا بوجهي في وجهها، وأنفي في أنفِها؛ وكانت ضِياءً في عِزِّ الليل، وحُسنا وجودةً في عالم القبح. فأحببتها."أنتِ؟"قلتُ لها. فوضعتْ راحةَ يدها على أنفها وضحكتْ عيناها، وقالتا لي "اتبعني!". فمِن زقاق إلى زقاق تبعتها، مأخوذا بلطفها وجمالها، غير مفكر إلا في كنهها، مُبتغيا سبر أسرارها، حتى بلغنا بويبا في حائط عظيم. ولمّا اختفينا فيه ورأيتها واقفة في سرداب قلتُ لها "أنتِ صاحبة الصُرَّة، أعطيتني إيَّاها فكيف لي أنْ أرُدَها لك؟" ولم ترْضَ أن ترُدَّ وجرتْ إلى باب فِناء. ولما تخطَّيْتُهُ كانت الدهشة:أكوام جواهر ونقود وحِلِي؛وزهريات مرصعة بالماس، وعقود لؤلئية، وقِلادات مرجانية، و"ساعة ذهبية"، و"كتب تاريخ نادرة"، وسيوف مستخرجة من غِمدها مهنّدة، صقيلة، ودامية؛ و"مسدّس عتيق عليه ما زالت فيه طلقة أخيرة، وعصا يرجع تاريخُها إلى الزمن الخشبي...
ـ هذا كنز علي بابا. فردَّتْ
ـ هذا كنز أبي.
وكانت عليه مُمَدَّدة
ـ ما اسمُكِ؟ قلتُ لها.
ـ اسمي...؟ وأطلقتها ضحكة مُدوِّيةً.
ـ وأنتَ... ما اسمُكَ؟
ـ أنا اسمي... اسمي...
ـ هل سرقوه منك؟
ـ نعم... لا... اسمي أبو ضِياء...وأنتِ ما اسمكِ؟
فقامت إليّ متثاقلةً؛ إلى فمي؛ فهمستْ فيه:
ـ يُسمونني ابنة اللص الأول.
تسألني أيها المستطلعُ الحزين «وماذا بعد؟» ... لا شيء! كلّ ما هناك أنني قضيتُ عندها ليلا دام زُهاء سنة؛ آكل وأشرب، ألعب وأطرب، أتحيّنُ وأكذب. وهي تفعل بي ما تشاء وتضحك؛ وأنا كالمسلوب أنفعل لها، وكلما طلبت مني نفسي، سرقتُها منّي لها... فكانتْ تردُّها لي كما أعطيتها إيّاها،صقيلة.
لكنّ، لا حال يدوم على حالِه؛ ففي لحظة كحولية؛ أخضعتُها لسبر سرٍّ سُرّتِها، فما وجدتُ لها سُرّة، ولا كان عندها ما يكون عند النساء؛ إذْ كانتْ «ناقصةُ نهدٍ وتين»، ولمّا سألتُها عن أنوثتِها المفقودة، قالت:«لقد سرقوها منّي».
آنذاك خرجتُ من عندها، وامتطيتُ راحلتي، وركبتُ مركبي، إلى بلدي العزيز«غُرْباتْيا» ولا تفكير عندي سوى في «وفاء»... "وفاء" امرأة ثقة، صديقة، عشيقة، كاملة العقل والأنوثة...