

رحلة زَرْواطـْيا
حدثني أبو ضياء؛ قال:
الأكل "فيه وفيه ". والأكلات لا حصر لأنواعها. وأمّا التغذية التي سأكَلِّمُك عنها، فلم تسمع عنها أبداً لأنها تغذية من نوع خاص، ولا وجودَ لها إلا في ذلك البلد الشبيه بنبّوت عظيم؛ والذي تحدُّهُ شرقاً، بلاد "أمْنِسْتان". وكأنها تجعل منه عمودَها الفقري؛ والذي تحدّه شمالا بلاد "السّاسان".
كان ذلك سنة 840 يوم سافرتُ إليه على إثر قراءتي لصحيفة عتيقة تقول:"هناك أمَّةٌ تأكل من جلدها".
وفي كتاب آخر وجدتُ:[الشعب الوحيد في الكون الذي لا ينقصه أكل، هو شعب زَرْواطيا"] فتفتّحتْ شهيتي لزيارته. وقلتُ في نفسي:"و الله إذا كانت أمّة محمد تأكل منه، فلماذا لا أنال نصيبي؟" ولَمْ أشأ أن أصطحب معي صاحِباً إلاّ أن أعود فأحكي له؛ فإذا استطاب ما استطبتُ، رحلتُ به إليه.
ركبتُ الرُّكوب إذن، وسرتُ إلى ذلك البلد خفيف الزاد. ولِمَ الإثقال بالخبز والملح، إذا كنتُ سأجد (هنالِك) ما لذّ وطاب؟
ولقد "جئتُ ورأيتُ وأكلت" وكان أن حلَلْتُ ب"واليما "؛ أشهر مطعم في عاصمة ذلك البلد؛ وهو يقابل أشهر حانة فيه اسمُها "بار الأمان" إلا أنّني فضّلتُ الأكل عن الشرب...
كان هنالك أناسٌ شبابٌ (وغير شبابٍ) مُجتمعين فيه يهتفون هتافات، ويحملون لافتات كُتِبَ عليها "نريد الأكل. نريد العيش" فجاءت فرقة من الطبّاخين على رأسهم "الشافّ" وفي يدِه الوصفةُ التي ستشبع كلّ طالِبٍ وطالِبة. وتقدّم منه مُمثّلُ الهاتفين، وقال له:"نحن جياع، فأين الأكل؟" فاستصبره "الشافّ" بقوله:"اتركوا لنا الوقت حتى نهيئ لكم ما تريدون!"
لم يصطبر المُمثِّل، فزادَ من الهُتاف، فما بقي لِ"الشّافّ" إلا أن التفت إلى طبّاخيه وهم فئة من الناس الشداد الغلاظ ذوي أذن واحدة ملفوحة بحر الشمس والقرّ؛ ففهمواْ الأمر، واستخرجوا من تحتهم المادّة الشهية التي تُعتبرُ أكلة الوطن؛ شيئا يُسمّونه " زَرْواطَة" فنقعوها في الماء؛ ثم دَرّوا عليها الملح والفلفل بمختلف الألوان، وصَبّوا عليها قليلا من ماءِ "جافيل" بأيدٍ مقفّزةٍ لأجْلِ أن تكون الأُكْلةُ نقيّة تماماً وخالية من الجراثيم، ولأجل ألآَّ يتعلَّلَ أيُّ مُتضرِّر بكونه أكل ما لا يستحق.
وهذه خصلة محمودة في طبّاخي ذلك الشّعب والعياذُ بالله.
والعجيب يا صاحبي، هو أنّني تعرّفتُ ـ من بين المطالبين بالعيش ـ على دكاترة وصحفيين ومُجازين في مختلف العلوم ومَصرفيين ورجال أمن شرفاء وجنود ودركيين وعلماء دين وأدباء... و كلّهم كان يطالب ب"الأكل".
أفلا تعجب من هذا الحال في ذلك البلد... والأموال فيه تُنهبُ نهباً وتُسرق سرقاً وتُهرّبُ تهريبا؟
وفي لحظة مّا؛ رأيتُ أولئك الناس ينزعون عنهم ملابسَهم استعدادا للأكل؛ فلقد فاحت رائحة الطبيخ وانتشرت بهاراتُها في كلّ مكان: الفلفل الأسود وسكّين ـ جبير وعصا سيدنا موسى والتحميرة وراس الحانوت وعشبة خذني ـ معاك وخضار هَلُمَّ ـ جرّا وأمور أخرى... وكانت كلُّها بهارات برائحة الدّم، لكن ما أنعشها لأهلها! وما أقدرها على توعية العقول!
ربّما لهذا الغرض الرفيع يُطالبُ أهل "زرواطيا" حُكّامَهم بالأكلة الوطنية(؟)
سمعتُ أنّ هذه الأكلة تُصرف في مناسبات عديدة منها: حين سرقة الأجور وفي عيد الخروج من الجامعات وخلال اليوم العالمي للفضيحة وإبّان "يوم الأرض" وبمناسبة الزيادة في المواد الأساسية ويوم عيد لجم لسان الصحافة... بل وفي كلّ مناسبة سواءً علا أو تدنى شأنها، لأنّ شعار بلد "زرواطيا" الأساس هو [زرواطة نقيـّة لكل مواطن ]
وأنت الآخر إذا كنتَ ترغب في تذوُّقِها؛ فما عليك إلا أن تقفَ أمامَ مطعم "واليما" المقابل ل "بار الأمان" يوم توزيعها. وبإمكانك تذوُّقَها في أيِّ مدينة من مدن البلد؛ بشرط أن تتواجد في المكان والزمان المطلوبين، وبشرط ألا تصرخ أو تقول: "إنها ليستْ لذيذة " فإنهم يقطعونها عنك، و يتركونك من المحرومين فشِعار "الشافّ" هو [إنْ لا تشكروني لأزيدنّكم] وعلى العكس من ذلك، فكلّما انهمرت دموعك من كثرة حلاوتها، زادوك منها؛ فافهم!
وتعالى الهتاف، وجحظت العيون؛ فما كان من "الشافّ" إلا أن استعجل ذوي الأذن الواحدة: أصحاب " البيريات " والخوذات؛ فحملوا الطبق الشهيّ، وراحوا ينهالون به على ظهور الهاتفين. لكلّ هاتف حِصَّتَه.
فأكلنا منه ـ والحمد لله ـ حتى سالت دماؤنا، وتكسّرت ضلوعُنا وحيث أنّها كانت أكلة وطنية لذيذة جدّاً؛ فإننا مكثنا في أماكننا لنطالب بالمزيد. فما راق ذلك الموقف الشجاع منا " الشافّ " وزبانيته فصرخ فينا هذا القول:
– يا ناس! من يريد منكم المزيد، فليكتب طلباً خطِّيا بذلك، ولسوف ننقله إلى مطعم خفي ونشبعه...
فما استجاب لندائه إلا العريقون في الأكل؛ أولئك اللذين لا تثنيهم " الزرواطة " عن المزيد في المطالبة...
ويا ليتك يا عزيزي رأيتَ ما رأيتُ، فحتّى العرجان والمتخلِّفون عقلياً والنساء الحوامل والممرضات والتلاميذ... أكلوا مما أكلنا... بل وحتّى العميان.
فهل رأيتَ في حياتك أعمى يأكل من " الزرواطة " أكثر مما يكفيه؟ ومع ذلك فأنني سمعته يقول:
[ باسم الوطن العزيز؛ لن نكفّ عن المطالبة بالعيش]
العيش في " زرواطيا" جميل؛ شريطة أن تأكل مما يأكله أخوك؛ لأنّ "الزرواطة " تُوَحِّد الصفوف وتصهر الأمّة وتُرَقّيها. والجوع في "زرواطيا" غير ممكن، إذْ لمّا يُستهلكُ الطبق الرّئيس، فإن الحكومة تُوزِّع (على من يريد)ـ أكلات خفيفة تُسميها " كاسكروطات" أساسية، لحمُها " الزّلاّط" ومرقُها "الإهانة" وخبزُها "شوفْ وُ اسكت!"
قارئي العزيز، قارئتي العزيزة،
– هل ترغبان في أكلة توعوية لذيذة؟
– ...
فلنلتقِ في مطعم "واليما "المقابل ل"بار الأمان".