الخميس ٢٥ شباط (فبراير) ٢٠١٠
بقلم مصطفى أدمين

رحلة رُوجْيا 

حدثني أبو ضياء، قال:

ومن بين البلدان العجيبة التي زرتها؛ روجيا، وتسمى كذلك بربرستان، وقد زارها أستاذي الرحالة أبو جنان قبلا مني، وحكى لي عنها أمورا لا يصدقها العقل. ولما زرتها بنفسي، وخالطت أهلها، واطَّلعت على طقوسهم وعاداتهم، نفد استغرابي، فما عاد أي شيء خارق يدهشني. وروجيا هذه توجد وسط المعمور، وتحدها شمالا بلاد خُرافيا، وجنوبا بلاد بنجيكا، وبها مدن ميزتها ليلا أنها نصف-مضاءة/نصف-معتمة، ونهارا شبه فارغة من سكانها؛ ولستُ أعرف إلى أين يذهبون. وأهمُّ هذه المدن: السفانكس، ماجيستيك، النمرة السوداء، تيرمينوس، رْوايال، الكل-على-ما- يُرام، المِثالي، زيزي... وكلّها مدن مُصْطفَّة على طول نهر عظيم هو عصب حياتها يسمونه نهر "ماء الحياة"، وهو في عظمة نهر "أور"، لكن ماءه بنفسجي ليلا أصهب نهارا، وله طعم ورائحة كريهان، خصيصته أن الذي يشرب منه، يُصاب بداء الثرثرة أو بداء الكركرة، وفي بعض الأحيان يستوثق به داء البكاء.

وأما المثرثر، فإنهم يصبرون عليه حتى ينفد كلامُه، وأما المُكركر، فإنهم ينتظرون إلى أن يتحول إلى البكاء، إذاك يتحَّلقون حوله ويشرعون في الضحك عليه وهو يبكي، وهم يضحكون حتى تجفَّ مقلتاه، وتخور قواه، فيحملونه إلى النهر ذاته الذي أمْرَضَه، ليجعلوا له من مائه علاجا.

على الرغم من أنني لم أرَ في روجيا أي نشاط اقتصادي يستحق الذكر، إلا أن الناس هناك تبدو عليهم مظاهر الرخاء المادي، وقد يكونون على ذلك القدر من حسن الحال، لاعتمادهم على "القنص"، أقصد: قنص الغرباء والشباب الغِرِّ منهم، مستعملين نبال النظرات المُلَطَّفة، وشباك الكَلِمِ المعسول، وفخاخ المديح المنافق، وحُفر الوعود الكاذبة. وما إن تسقط الضحية، حتى يهُبّوا إلى جيوبها ليفرغونها إفراغا لأجل أن يعطوها إلى "المحافظ" الذي يبتسم لهم ابتسامة الثعلب، ويحادثهم حديث الصديق الغدّار، فيفتح لهم صنابير نهر "ماء الحياة" ليزيدوا في ما هم فيه.

تنتظم روجيا في شكل بلد فيدرالي يجمع عدة مقاطعات، ويحكم كل مقاطعة "الدّيس"؛ وهو معكوس السيد، ذلك لأنه كلما علا شأنه في مقاطعته، تدهورت أحواله الاجتماعية إلى أن يبلغه التقاعد، فيخصص له شعبه مقعدا من حجر أمام مدخل المدينة، ويتركون له الحرية في أن يحلم كيفما يشاء، ومن حين لآخر يجودون عليه ببعض الصفعات لاعتقاد البربرستانيين أن الصفع يجلب، النفع و يقي من تشمع الكبد.

وقد حالفني الحظ ذات مرة فصادفت "الديس" روجي كُحولي حاكم مقاطعة السفانكس (سابقا) و قد بلغ أرذل العمر، وكنا في سنة 840، وكان هو قد ولد سنة 800، وأخبرني أنه كان يشرب من ماء الحياة ما يشربه الدنفيل، وهو حيوان يشبه الفيل وفي حجمِه، لكن رأسه صغير جدا، حتى اشتهر في روجيا كلها، وكاد يُنْتخَبُ "ديسّا" أوّل عليها لكثرة ما ثرثر وكركر وبكى.

وأما أحوال الطبيعة هناك، فليس في المعمور أغرب منها، فأراضيها كلها منبسطة ومع ذلك يتعثرون عليها ويسقطون، والشمس فيها تُشرق من الغرب، وذلك بعد الزوال؛ والمطر فيها لا يهطل أبدا، وعلى الرغم من ذلك تراهم دوما في المخابئ، والجو مكتنف بضباب دائم حار وكريه يعجبهم أن يستنشقوه كما لو كان هواءً منعشا.

والعجب العُجاب هو أن ساكنة روجيا كلها من الذكور و لمّا سألتُ "الدّيس" روجي كُحولي عن هذه الظاهرة، أجاب:"النساء موجودات، لكن في بلاد خُرافيا، ونحن نذهب إليهن عند الحاجة، ولا نتزوجهن، وهذا طبْعُنا"... وعليه قررتُ مواصلةَ رِحْلاتي إلى خرافيا، ومنها إلى بلاد بَني وي-وي...

وتبقى بلادي غُرْباتِيا البلدَ الذي لا بديل لي عنه...
  
 


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى