

رحلة حَـوَلْـكـان
حدثني أبو ضياء؛ قال:
كانت تمطر عندما أطللت على أستاذي أبي جنان في بيته، فرأيته لابساً لبوس المرح والرقص والوقت مُدْجِن. ولولا غزارة المطر وقربُه من النفاذ إلى عظمي، لظللت واقفاً في مكاني حتى أستمتع بالمزاج المرح لذلك الصديق القديم. وكان قد عَلِمَ عِلْمَ الغيب بمكمني، فخاطبني من وراء الرقص قائلا:"الحياة خير وشر. وعلى المتعقل أن يتفكَّهَ منها من حين لآخر." وتابع ما كان فيه من حسن الظاهر دون أن يعبأ بما كنت أنا عليه من سيِّئه. ولمّا رآني لم أبرحْ مكاني، أغلق نوافذ بيته عنّي وخاطبني من خلف حجبه قائلا:"هناك ورقة ملصقة على صدر الباب، اقرأها واتركني!" فكان أن أبصرتُها عبر خيوط الماء وقد امَّحى معظمُ خطابها، ولم يتبقَّ منه سوى "حُجَّ إلى "حولكان" وسترى!" فعدتُ إلى ذلك المركب الذي طالما حملني على مثن البحور رأسا إلى "أمنستان" حيث اكتريتُ راحلة سريعة إلى البلد المرام. فها أنا ذا ببابه أمام حارسين أحولين. فتقدّم منّي واحد منهما وقد ركَّز بصره على زائر كان يقف بجانبي و قال لي:" هات الأوراق!" وبدل أن يأخذ منها جواز سفري، استلَّ منها ورقة مالية، ونظر إلى الصورة التي عليها، وإليَّ ثم قال للذي بجانبي:"أدخل!" ولمّا لم أنتبه إلى أنه يعنيني، نخسني بعقب قَرَبينته ودفعني إلى حائط، وصدمني به وهو يصرخ:" قلتُ لكَ ادخل!" فهل كنت لأصدم رأسي بالحائط؟
دخلت ــ إذن ــ عبر الباب؛ فكان أن رأيتُ جميع أهل البلد أحولين، وكذلك حيواناته. وهاك ما يُضحِك يا صاحبي!... في حينه، كان مستثمرٌ أجنبي يزعق من الغضب لكون سلطات البلد رخّصت له بإنشاء مشروعه الصناعي في البلد المجاور، وهو يحاول أن يفهمهم أن الاتفاق يقضي بأن المشروع يهمُّ بلدَهم، فهل أصغوا له؟ ... فألمَّ الجوع بي وطلبت "كاسْكْروطاً " فما كان من صانعه إلا أن دسَّه في فم زبون آخر وهو يقول له:"بالصحة والعافية" ولي قال:"هات الفلوس" وما علم أن غيري هو من كان يأكل رزقي، فانقضَّ على شخص مارّ وخنقه ليرغمه على دفع ثمن ما لم يأكله لا هو ولا أنا. هنا انطرح عليَّ السؤال الوجودي:هل أتفكَّهُ أم لا من بلد جلُّ أهله حُوْل؟ واختلطتُ بالناس في سوق يطغى عليها التبادلُ الحُرُّ الأحْوَلُ؛ حتى أنني اشتريت بالبزِّ أشياء لا تعنيني، ونقدتُ تجارا لم يبيعوني شيئا؛ فما كان مني إلا أن أطلقتها ضحكة مدوِّية لما نظرت إلى مشترياتي الاستبزازية:
تُبّانٌ نسائي خاص بالمناسبات الخاصة، رِجْلٌ خشبيةٌ من النوع الذي سيزدهر في بلد اسمه "أفغانستان" إبَّان حرب فضيعة عليها، فخٌّ طيور صغير لاصطياد الحمير، مِنجلٌ مستقيم، فكُّ ضَبٍّ بتول، صحيفة مكتوبة بلغة "الساسان" غير المفهومة أصلا...
و لعلَّ غيري ذهب إلى بيته بالأشياء التي كنت أنوي شراءها. فصبرتُ على "الحولكانيين" حتى اكتملت صورتهم في عينيَّ وبلغ التفَكُّهُ مداه. فهاك يا صاح المزيد:امرأة فاتنة حولاء أعجبتُها فأشارت إلى غيري ... رجل أحول دخل إلى بيت جاره معتقدا أنه بيته، مولود خرج من رحم امرأة أخرى عوض أن يخرج من رحم أمّه، رجل ألقوا به بجانب حفرة قبر وانصرفوا بعدما أهالواالردم عليها، والمَيِّتُ المفترض بجانبها نائماً، حتى غلب عليه الَتَّعبُ فقام إلى بيته لأنه لم يكن هو الذي مات وإنما جارُه، وهذا الأخير ما زال يلهو لأنه لم يكن يعرف أنه هو الذي مات، ولعلَّ الكل كانوا على قيد الحياة؛ فلا شيء مؤكَّدٌ في بلاد "حَوَلْكانْ".
فهل تعلم أنهم ضبطوا كبيرا يسرق المال العام وعوض أن يسجنوه أدخلوه فندقا فخما وأجزلوا له العطاء؟ وأجلسوه على كرسيّ أهمّ من ذاك الذي كان يسرق منه، وبجواره خزنة أضخم من الخزنة التي سَرق. ولرُبّما تعمّدوا ما هُم عليه من أحوال متناقضة لمصلحة بعضهم؛ أو لأنهم يعيشون في الخوف وتحت نير الاستعباد؛ ولكنّني غير متأكد؛ ففي مشهد كاد يكون عاديا؛ رأيتُ واحدا منهم يُخْضِعُ نعجة بلدية للذبح، فجرح إصبعه، ولمّا رأت النعجة (وهي الآخرى حولاء) الدمَ يسيل، راحتْ "تتركَّلُ" من حرِّ موت لا وجود له إلا في مخيلتها.
وإليك بهذه المُلحة أيها القانط العزيز: فبمناسبة " عيد الموكب" الذي يخرج فيه الحاكم إلى محكوميه؛ كنتَ لترى "الحاشيةَ" على متن عربة، والحاكم يجري خلفها. هم يلهثون، وهو يعتقد أنه راكب ركاب المجد... والمطبِّلون والمزمِّرون سائرون في الاتّجاه المُعاكس للموكب بموسيقى مختلطة وأناشيد لا معنى لها. وكنتُ مأخوذا بذلك المشهد حين جرَّني من كُمِّي طُفيْلٌ به حَوَلٌ صغيرٌ وناداني:
– بابا...
وكانت أخطر"بابا" في العالم. ولذلك أطلقتُ ساقيَّ إلى الريح فرارا من هول التهمة، وخَوْفاً من أن يَقضيَ عليَّ قضاءُ "الأحولين" بأسرة حولاء لا دخل لي فيها؛ وأنا لي أسرة عظيمة في غرباتيا... بلد السّلام والمُبصرين الأسْوياء.