

رحلة جُوجْيا
حدثني أبو ضياء؛ قال:
ولمّا أفصحتُ لأستاذي أبي جِنان عن نيتي في زيارة جُوجيا، ضحك واسعا حتى بان ضرس عقله، وقال لي:"أترغب في أن تفقد عقلك عند الكُسْكوسِيين؟" والحال أن عقلي أوشك أن ينشطر هناك، وكدت أعود من دونه أو بغيره لولا رحمة الله. وجوابا على سؤالك؛ فإن جُوجيا (بلادُ المَارِقانْ) توجد في أقصى الشمال الغربي للمعمور، وتُطِلُّ على بحرين؛ واحدٌ حيٌّ، والآخر مَيِّت. وفي طبيعتها من كل شيء زوجان. وأهلها لا يشبهون البشر إلا من بعيد. يكلمونك بلسانين، وبلغتين، وبوجهين؛ حتى أنك تحار. يعطونك كلمتين، واحدة يُخْلِفونها، وأخرى لا يَفون بها. يتَّخِذ الذكور منهم زوجتين، قديمة مستهلكة، وجديدة آيلة إلى الهلاك. والأنثى منهم تتخذ لها رجلين، واحد ينفق عليها، والآخر تنفق عليه. وعند الزواج يطلبون صداقين، صداق لأم العروس، وآخر لأبيها؛ ومن كل شيء «جوج جوج». يؤرخون لأيامهم بتاريخين، الأول شمسي، والثاني قمري. يحْتَكِمون إلى قانونين؛ قديم، وجديد. في محكمتين؛ ابتدائية، وثانوية. تحت شعار "العدالة عمياء"؛ ولذلك تمثلوها بمكيالين. ولحكامهم داران؛ يجتمعون صباحا في واحدة لتدارس مشاكلهم، ومساءً في الأخرى ليعيدوا طرح نفس المشاكل، واقتراح نفس الحلول حُبّاً في الازدواجية وضياع الوقت؛ أو خوفا من شيء لم أتمكَّن من إدراكه؛ أو لأنهم يفكرون بعقلين؛ حيث قال لي كبيرهم لِمَرَّتين :"عقلٌ يقول لي شيِّد معهدا للأبحاث العلمية، وعقلٌ آخر يقول لي ... ولماذا؟" وكان اسمه «بوصِيفالْ» (ومعناه باللاتينية "ذو الرأسين") ومنه سُمِيَ شعبُه "البوصيفاليون". وأمّا التعليم عندهم فيرتكز على منهاجين؛ منهاج عتيق، وآخر مستهلك؛ كما يرتكز على مدرستين؛ ابتدائي إعدادي، وثانوي ابتدائي. يتخرج منهما نوعان من الناس؛ نوع أمّي (لا يميِّزُ بين الألف والزرْواطَة)، ونوع اُبـِّي (يحترف الزرواطة لقمع الألف). ماعدا فئة قليلة منهم جعل فيها الله عقلا واحدا، وهي التي لو لم أعثر على بعض أفرادها، لأضعت عقلي، أو رجعتُ إلى بلدي بعقل مختلف متخلّف.
المساكين الأطفال، يرسلونهم إلى المدرسة بقنطارين من الكتب ليدرسوا علمين، واحد لا ينفعهم، وآخر لا يجديهم. وفي المساء يركنون وآباؤهم إلى شاشتين مُضيئتين فيهما صور متحركة ومنهما أصوات، يستهلكونها حتى ساعتين متأخرتين من الليل؛ وفي الليلة الثانية، نفس الصور، ونفس الأصوات. وتراهم يتغنون بأغنيتين مفضلتين:«گولو العام زين»و «يا ليلي يا عين». والعمران عندهم على شكلين؛ قديم وحديث. المنزل بطابقين، سفلي وعلوي، وكذلك مجتمعهم. بمرحاضين؛ بلدي ورومي. بصالونين، تقليدي وعصري. ويحبون أكلتين«المَرْقَة والكُسْكُس». كما ابتلاهم الله برذيلتين؛ تأليه الفلوس والسلطة. وهم يمرضون بمرضين دائمين؛ التخمة والإسهال. ويلبسون لباسين؛ الجلباب والكوستيم. ويتكاسلون عن أمرين؛ العدل والاجتهاد. وإن كرهوك أعدّوا لك حُفرتين؛ معلومة، ومجهولة. وإن طمعوا فيك نصبوا لك شِركين؛ الإغراء والمديح. والناس عندهم فئتان؛ غنية جدا وفقيرة جدا، وتعيش كل منهما حالتي الغنى والفقر حسب الظروف. ولبلدهم مدخلان؛ شرقي وغربي. إن دخلت من واحد أخرجوك من الآخر. وكنت دخلت إليهم من الشرق فأخرجوني من الغرب؛ بعدما ضربوني ضربتين؛ في الرأس وفي القلب. وذالك لمّا عارضتهم في أمر المولود الجديد الذي ظهر فيهم بوجه واحد ولسان واحد وعينين ورجلين ويدين، وهُم بعين واحدة ورجل قصيرة ويد طويلة. سمعت كبيرهم "بوصيفال" يقول:" لا يمكن لهذا المسخ أن يعيش بيننا"فقالو:" لِنَنْفِه إلى غُرباتيا!" فوضعوه في سلة وألقوا به في البحر، ثم قفلوا إلى ازدواجياتهم فرحين. فما سمحت لي نفسي بترك ذلك الوليد لوحده عرضة للقروش، فتبعته بمركبي حتى غابت عنا الأعين، فأخرجته من اليمّ، وأطعمته من طعامي، وكسوته من ثوبي، وخضنا في المحيط سنوات، وأنا أحدثه عن مغامراتي وطموحاتي وأحلامي، حتى بلغنا بلدي غُرْباتيا حيثُ صار بعد سنتينْ من خيرة الشباب.