

رحلة جبل العاج
حدثني أبو ضياء؛ قال:
كنتُ أتجول في سوق الصناعة التقليدية ببلدي غُرْباتْيا، في يوم بحري جميل ذي شمس دافئة؛ وهواء عليل، والناس قاضون أمور البيع والشراء والخدمات في جوٍّ من التعاون والإخلاص والتحابّ؛ وأنا شارد الذهن، فإذا بي أعثر على أستاذي أبي جِنان في حانوت نسَّاجِ زرابي، وهو عاكفٌ معه على توشية زربية بقصاصات الصوف الملون وأقراص الموزونة الفضية. ولقد أبهرتني جلسة الصانِعَيْن أكثر مما أبهرني مصنوعُهما؛ جلسة الاستواء على الأرض لأستاذين متبحرين؛ الأول في علوم النسج، والثاني في أدب الرحلات. وكانت الفرصة مواتية لأسأل هذا عن الرحلة التي تشغل بالي. فقال لي:"الرحلة كتابٌ، عِلمٌ، وعمل". مفضلا عن اللغو، الكلامَ الصامت للنسيج. .. ليلتَها بـِتُّ في ضوء مصباح أدقق النظر في النُتف التي جمعتُ عن "بلد جبل العاج". وهو جزيرة نائية شمال البحر الأول، على بعدِ عُقَدٍ بحرية من بلاد جُوجْيا؛ لكن الرحيل إليه من بلادي بعيد وشاقٌّ. لذا جاءتني فكرة قطع المشقة إلى شقين وذلك بالرسُوِّ في قُبْقُبْلانْدْ لكنني امتعضتُ منها، وفضَّلتُ عنها فكرة الاستماتة حتى بلوغ المبتغى. والناس في بلاد جبل العاج يرفعون دوما أنوفَهم إلى السماء، وكأنهم شمّوا رائحة كريهة. ويكادون لا يسمعون مُخاطبيهم، بل يكادون لا يبصرون الناس. وغالبُ أسمائهم يبدأ بكلمة "أنانا" ذكورا وإناثا: فمنهم أنانا عبّاس، وأنانا كريم، وأنانا الطيِّب، وأنانا مذيع، وأنانا ممثل، وأنانا مطرب، وأنانا شاعر، وأنانا سياسي ليس له مثيل... إلخ...
ولذلك سُمّوا في المخطوطات القديمة "النفنافون" لغلبة حرف النون على مخارج أصواتهم، ولأنهم يسكنون الجبال العالية، وبعيدون عن المنال. والأصل فيهم أنهم لقطاء من مختلف بلدان المعمور، نزحوا منذ زمن بعيد إلى "جبل العاج" على إثر صيحة نبيِّهم المزيَّف "أبو نـَفْخَة" حين قال:"يا سكان المعمور! كل من يشعر منكم بأنه أفضل وأقوى من سائر الناس، فليهاجر إلى الجبل..." وهكذا سارع كل الفقراء على اختلاف فقرهم، وكلّ الأغنياء على اختلاف درجات غناهم، والغاضبون من غنى بعضهم، والحاسدون، وألئك الذين يملأ الحقدُ الأعمى قلوبَهم، وبعض جراد الناس الواهمين، إلى "الجبل"، قاطعين العلاقات والصلات بأصحابهم القدامى، وذويهم، راكبين مراكب الجحود، ومُتسلِّقين سلالم الذل؛ لكي يبلغوا ما استطاعوا ذلك "الجبل".
ولما كانت العين أحق بالقول من اللسان، فإنه لم يغمض لي جفن تلك الليلة، فافترشتُ لمعدتي مقدار قدَح "بيصارة" حارّة ومزيّتة، وخبز شعير؛ ثم انحدرتُ رأسا إلى المرسى، إلى أوّل فلك مُبحر إلى "زقزقسان" والتي استأجرتُ منها قاربا إلى "جبل العاج". ونحن في سنة 840. وفي عرض المحيط، قال لي الملاّح:"انظر! ها هو واحد جديد يطير إلى الجبل". فنظرتُ إلى السماء، وكان رجلا على دراجة نارية (مُوطور) يطير بها ضدا على كل القوانين، فصرختُ فيه:"إلى أين يا نفناف؟" فلم يردّ علي، وتعالى بأنفه إلى سماء أخرى، ونشَّط رجليه ليدوس على دواستي دراجته، وهي "تطرطرُ" خلفه، وهو يشعر بالزهو من تلك الطرطرة... وآخر، رأيناه يطير من دون سلطان، يخفق بيدين نحيلتين كفرخ جائع مبلل؛ وليس لديه ما يفاخر به إلا معطفا باليا ونظارتين طبيتين كاذبتين، وجريدة تبرّز عليها الذباب... وآخرون طيّارون، ونحن مبحران، إلى أن بلغنا ساحل بلاد "جبل العاج". فيا له من ساحل صخري أسود من المحار والدم... ساحل لم يأهله إلا بعض الساقطين من قمم الجبل، واللذين تخصصوا ـ لأجل دريهمات قليلة ـ في تصنيع العظام، وكانت هناك أكوام من العظام البشرية، يصنعون منها الأمشاط، والنبال، والمسامير، والمشابك، وغير ذلك من أدوات الرشق والشدّ...
والناس في أعلى الجبل يبدون لنا كالنمل. ولما سألتُ أحد صناع تلك الأدوات عن سر أكوام الهياكل البشرية؛ قال:"هناك في الأعالي، يتعالى كل "أنانا" على أخيه، إلى أن يبلغ القمة، فيتراءى له طير فيحاول التعالي عليه، فيسقط".
ـ ولكنّي رأيْتُهم يطيرون(؟)
ـ تلك هي الطّيْرة الأولى والأخيرة في حياتهم البائسة. قال الصَنَّاع.
ـ هل هم حمقى أم ماذا؟
ـ هم مرضى ـ والله أعلم ـ وليس الواحدُ منّا بمأمن من أن يُصاب بما أصيبوا به؛ فهذا الدّاء قد يلمُّ بنا من معطف، أو دملج، أو خاتم، أو سيارة، أو كتاب...
وأنا أفكر في طريقة عيش "الجبلعاجيين"، وهل يتزوّجون، وهل يتعلّمون أم لا؟ بلغ إلى سمعي صوت"آ آ آ آ..." قادماً من السماء. فخرحتُ من الكوخ الذي استأجرته كفندق غير مصنّف (إذ لا ضيافة ممكنة في بلد جبل العاج)، وكان الوقتُ غروبا؛ فإذا بواحد منهم يرتضُّ على الأرض. فأسرعنا إليه، وما كان ليعيش لكثرة الرضوض والكسور التي أصابتْ بدنه وروحه... وكان هو صاحب الموطور الطيّار:أراد أن يصل إلى القمّة بسرعة، فأسرعوا بإسقاطِه؛ فسألته:
ـ كيف تروننا من الأعلى؟
فلفظ من بين أسنانه بقيّةَ دم وكلام:
ـ نـَ... رَ... ا... كُـ... مْ... كَـ... ال... نـَ... مْـ... لْ..
ومات.
إذّاك جمّعتُ متاعي الكمالي وألقيتُ به في البحر، وقلتُ للملاّح الذي جاء بي:
ـ إخّ ْ من ركوب الجبل العاجي! رُدّني ـ من فضلك ـ إلى بلدي غُرْباتْيا؛ إلى أهلي الذين لا يتعالوْن على الناس أبدا!