

رحلة بَقْدُونْيا
حدثني أبو ضياء؛ قال:
جاءت رسالة استغاثة من حاكم "بقدونيا" إلى أستاذي أبي جنان تقول:[الأستاذ الكَبي، الحالة الشهي، أبو جنان الغباتي، لقد انتش فينا داء البق الخطي بشكل أعنف من ذي قبل. وظهت فيه أنواع؛ فمنه ما يأكل حفا أو حفين، ومنه ما يزيد في الكلام والنصوص أكث من حف. وهناك نوع إذا ما اتصل بالكلام، شقلبه. وآخ يأتي على كلمات بعينها ويحذفها من القواميس والعقول؛ فتتخبق معاملاتنا وصِلاتنا، وتكث المشاجات بين الناس والخصومات لحدٍّ خطي؛ حيث تشف البلاد على الفتنة؛ وكل ذلك بسبب تلك الحشة اللئيمة ذات البطن الكبية التي ما وجدت من شيء تقتات عليه سوى الكلام نفسه. وعليه؛ فإننا ندعوك إلى الحضو بيننا لتساعدنا على إيجاد حل لمشكلتنا مع البق. وشكا والسلام.]
ولم أفهم ما جاء في الرسالة، ولم يترك لي فرصة سأله عن سرها؛ وإنما استرسل في الكلام عن ذاك القطر الغريب الذي لا مشكلة لديه سوى مشكلة التواصل. أجل؛ يمكن لعدم التفاهم بالكتابة والكلام أن يؤدي بالبلدان إلى الكوارث والحروب. فلا أخطر من داء يأكل الكلام ويصيره بلا معنى. والأخطر من ذلك أن يصير له معنى آخر غير المعنى المرام.
تخيل أن تجد عند زوجتك رسالة من والدها يقول فيها[... تحلي بالأخلاق الفيعة، يخج من حمك أولاد صالحون، وبيتي على الذك، حض أو غاب جلك، ولا تجعلي عبادة الفج تفوتك، وأعلني الحب على كل من يحاول همس السوء في أذنك، وإذا جاءتك الكبة فاصبي عليها، وحاذي سلوك المجمين حتى يأتيك الفج من عنده...] تخيل هذا، أو رسالة تظلم إلى الحاكم تقول له في نهايتها[... ولا تقبلو لا مني لا فائق لا المحبة ولا الاحترام.] أو أن تكتب في ديباجتك إليه:[سلام أنا تام أنا بوجود أنا مولانا أنا ...] ويكون البق أكل حرف الراء من الأوليين، وزاد في الرسالة الثانية حرف "لا" وفي الرابعة ضميرك.
أليس المشكل في غاية الخطوة؟ أقصد: الخطورة. فلا تحزن ولا تغضب ولا تثور إن أوجدتك الظروف في مثل هذا البلد!...قال أبو ضياء:وقلت لأستاذي أبي جنان:"لكل رحلة نصيحة، فبماذا تنصحني؟" فقال لي:"قد علمتَ أنني لن أسافر إلى بقدونيا. وأنك أنت من يُعوَّلُ عليه، أيها الشاب المتحمس لكل سفر، أيها الرحالة الغرباتي الشهير. ولهذا سوف تنوب عن الشيخ، وسوف تقوم بواجب علاج أولئك الناس المرضى ببق الكلام. فسافر في الكلام وعالجه من الداء. واحرص أن لا تُصاب بالعدوى فتصير ممن لا يفهمون.
وقتٍّر فيه، تقِلُّ أخطاؤك ولغوك. وتفحصه جيدا قبل أن تقوم بأيّ مبادرة وإلا انقلب الكلام عليك فتصيرَ من الخاسرين! فقلَّبتُ كلامه، ووجدتُ أنه يعنيني بالضبط، لا في بقدونيا وحدها، وإنما في كل البلدان. وتذكرتُ بلاد مقلوبيا وكلام أهلها المقلوب، فكان أن مررتُ به للمرة الثانية، ثم ببلاد سرقونيا، فبلاد كلخان، إلى أن بلغتُ بلد البقّ. في صباح ذي شمس ناعمة من سنة 840 . وكان أن وقفت بباب البلد وقد عُلِقت على مدخله يافطةٌ كُتب عليها[الجمك] وبجانبها أخرى عليها [الدك الوطني] فتقدمت من الجمركي وقلت له:"أنا هنا على إثر رسالة من حاكمكم موفدٌ من طرف أستاذي أبي جنان الكبير؛ الرحالة الغرباتي الشهير، لأساعدكم في القضاء على حشرة البقّ الكلامي الخطير التي تأكل من النصوص أكثر من حرف، فتتخربق معاملاتكم، وتكثر المشاجرات بينكم، وتعمّ بلدكم الفوضى العارمة والظلم."فقال لي:"محبا بك" وساروا بي في سيارة "جيب" عبر شوارع العاصمة.
وكان أن رأيت بنايات كتب عليها كلام غريب مثل[ الشطة]. وعليها حراس ببزّاتٍ قاتمةٍ وهراواتٍ ومسدساتٍ في جنوبهم. وعلى أخرى[البلمان] يخرج منها أناس فيهم شبهة. وعلى ثالثة كتب[القص] وفيها سأجد الحاكم لأساعده على إيجاد حل لمعضلة شعبه. وكان في اجتماع مع مستشاريه لأجل تلك المعضلة بينما أجلسني الحرس في قاعة فخمة على تُكأة وثيرة. وسِرتُ في تأمل الصور المعلقة على الجدران، وكانت صورة حصان أدهم وتحتها لافتة عليه اسم "عوليس التاسع عشر" وعلى أخرى رسم فارس بسيف معقوف يبرق الغضب من عينيه، وتحته اسم"الحصان الشهير:البرق" فعلمتُ أن حشرة البقِّ فعلت أفاعيلها في الأسماء لتستهزئ بالناس وتخلق لهم المشاكل. وما هي إلا دقائق حتى سمعتُ صراخا خلف باب مجلس الحاكم، وكان هو الذي يصرخ في الناس اللذين اجتمع بهم.
ولم يكونوا هم المطلوبين له؛ إذ جاءته سافلة الناس بدل علّيتهم؛ وجهلاؤهم بدل علمائهم، والمجرمون بدل الشرفاء؛ فتدفقوا من الباب كالقطيع المرعوب. فرأيتُ على صدورهم "بادْجات" عليها أسماء وصِفات مثل"وزير. مدير. كاتب. مستشار. دكتور...." ففهمتُ أن حشرة بقِّ الكلام ضربت ضربتها وبدَّلتِ الصفات لأجل إتعاس الحاكم وشعبه. فانتبه إليَّ و ناداني:"أبو ضياء؛ محبا بك. أتمنى أن نجد عندك علاجا من داء البقّ الخطي" وفي كلامه نقصُ حرف الراء. لكنه حاكم طموح محبٌّ لشعبه ويخاف عليه من الأمراض؛ تخصيصا "مرض الكلام". فسار بي إلى غرفة كالمتحف فيها العديد من الصناديق الزجاجية، وبداخلها أنواع من الحيوانات والحشرات. فقال لي:"أنظُ إلى هذه! إنها عدونا اللدود." وكان منها عدة أنواع. وقال لي:"هذه تضيف الباء إلى الكلام، وهذه تحذف منه النون، والبُنِّية تضيف له "لا" بعد كل كلمة..." وكانت واحدة مثل قُرَّاد مكسوة بالزغب ولها عدة أرجل ومحاجم في بطنها وثلاثُ عيون موشورية وثلاثة أفواه، مسننة ودرداء ومصاصة." فلما رآني مستغرقا في تأمل ذلك الكائن العجيب، قدم لي كتابا جيد التسفير و قال:"هذا هو الكتاب الذي نحتكم إليه. نسميه الدستو." ففتحته لأقرأه. فرأيت نصوصا مستعصية على الفهم. ذلك لأنها خالية من التنقيط وعلامات الوقف والضبط والترتيب . وبعضها طغى عليها حرف " لا" وفي أخرى حرف السين عقب كل كلمة، وكلمات، ما إن تمعن النظر فيها حتى تحركها الحشرة من مكانها، فلا تفهم المعنى أبدا.
وهناك كلمات أُفرغت من محتواها، فتراها جوفاء بدون أي معنى. فسألتُ الحاكم:"كيف تفهمون هذا الكتاب؟ وأي شعر أخرق تقرأون؟ " فتنهد وقال:"هذه هي المعضلة". فأتى كبير الحرس و انحنى للحاكم و قال له:" مولاي. الطعام جاه" فقلتُ:" يعني جاهز." فأكلناه. و افترقنا، كل منا إلى غرفة نومه.
وبتُّ ليلتي أفكر في معضلة هذا البلد واسأل الله أن يقدِّرني على مساعدته. وفي النوم حلمتُ حلما غريبا: جاءتني امرأة جميلة لها لحية بيضاء كبيرة، وأنا واقف على صوان عليه منحوتات من نحاس، فمسحت بيدها الصوان ووضعت عليه منحوتة صغيرة من الذهب الأبيض الخالص، ثم وضعت يدها على فمي لتمنعني من الكلام. فكان الفجر. والحاكم عند رأسي سائلا:"هيه! هل وجدت الحل؟" فخرجتُ من حلمي وقلتُ له:"أقترح أن يصوم الناس عن الكلام شهرا كاملا حتى لا تجد حشرة البقّ ما تقتات عليه. وأن يكتب الكلام بماء الذهب، لأنها لا تقدر على غزو خالص المعادن، فخير الكلام ما قلَّ ودلَّ وكثيره مضرٌّ مذلٌّ." فقفز من مكانه فرحا وعانقني وراح يجري في قصره ليأمر بالأمر.
سألتني:"و ماذا بعد؟".
ــ لم يم شهـْ حتى عادت المياه إلى مجايها... وقانا الله من داء البقّ الخطي...