

رحلة القيصرية
حدثني أبو ضِياءٍ؛ قال:
من يقول إنّه بلغ حدود العالم قد لا يكون كاذبا، ومن يقول إنه حدَّ العلم فهو دجّالٌ مُدَّعي. والأكثر منه دجلا وادعاءً، من يتكلم عن البُطولة كشيء يعرف حقيقته تمام المعرفة. ولينصر الله أستاذي أبا جنان حيث واتته الشجاعة، وأخبرني بوجود بلد لم يستطع الدخول إليه، وكان إخفاقُه في رحلته إليه، وقُرْبُه من الموت في يمِّه، هو السبب في توقفِ أستاذي عن الرحلات، وإقدامِه على استغراق ما تبقّى من عُمُرِه في مطالعة كتب أساتذته، والتأمل في أمور الوجود، سواء منها تلك المُغْلقة على الأفهام، أو تلك التي تبدو واضحة جلية للعيان وما هي كذلك... والعيش عنده، على التجارة البسيطة، وزهيد الأكل، وخفيف الِوطاء والغطاء، والكثير من الصمت. قال أستاذي:"البلد الذي فشلتُ في بلوغه هو بلد "القيصرية" البحري. وترقرقت عيناه بدمعتيْن ما رأت عيناي مثلهما في التردد والحيرة؛ فرقَّ قلبي لرقرقة الدمع في عينيّ الأستاذ، ونهضتُ من قرفصتي وقلتُ له:"أنا لهذه الرحلة." فأشفق عليَّ من تهوُّري، واستصبرني، وقال لي:"لا تكن غرّاً تأخذه الرأفةُ فيلقي بنفسه إلى التهلكة، وفكرْ وتذكرْ قبل أن تأخذ أيّ قرار، ولا يهمّك من يبكي فشله في حضورك، ولا تترك الدموع تنفذ إلى مكامن ضعفك فتعصف بك، ولو كانت دموع أعزَّ الناس إليْك؛ فرُبَّ باكٍ عليك اليوم صار ضاحكاً منك غداً، والدموع ليست في النهاية إلا ماءً أجاجا. وحريٌّ بك أن تستكشف الدموع الخفية العصية على السيلان كتلك التي تنحصر في مُقَلِ الملوك، أو تلك التي يكفكفها إنسان عزيز فقير وحيدٌ أبيٌ بيدٍ، وباليد الأخرى يشد على ألمه. فما صبرتْ صديقتي وفاء، فانهمرت دموعُها بين يديها، وقالت وهي تستجمع هيأتها:" عندما يبلغ الصبرُ حدَّه فلا بدَّ من الرحيل". وكنتُ لا أعرف سبب إخفاق أستاذي في تلك الرحلة، ولم يسعفني لساني في طرح السؤال عليه؛ ولكنه تنبَّه لتردّدي، فمدَّ نحونا رجلا متخشبة وقال:"رجلي هذه عصف بها حوتٌ عظيم في مفترق مياه المحيط الودي والبحر الغابر". فبكيتُ له. وفهمتُ الأمر. واستنهضتُ صديقتي وخرجنا من عنده. وعند الباب قلتُ لها:"و الله أنا لهذه الرحلة انتقاما لأستاذي من الفشل." و ردَّتْ:"و أنا لم أنتبه أبدا لإعاقة الأستاذ". فبكيتُ أمامها له. وجريتُ بعيداً عنها إلى الميناء؛ لألقي بنفسي في اليمِّ. فكان الانسيابُ رائقاً على ظهر الموج، وفي زرقة السماء الهادئة... وحيداً كنتُ في متن المركب والزاد قليل، والتوجُّسُ كثير. فها هو مفترق المياه الخطير، والقروشُ طوَّحت بمركبي، ونحن صامدان في المقاومة والخوف. وما كانت تلك الأسماك العُدوانيةُ لتفقدني ثقتي بنفسي وبمركبي؛ ولكن الرعب تملكني حينما بلغ أذنايَّ غِناءٌ ساحر كغناء "ديفات" مجتمع الغرب؛ آتٍ إليَّ من صخور في مدخل البلد المرام، ويجذبني إليه جذبا. فرأيتهن... كائنات في صورة أسماك تغني، ولهن أفخاذ وسيقان نسائية من ذهب أصفر. فما لبتن في الغناء إلا زمنا قصيرا، ولكنه تأبدَّ عندي ما بين الرغبة والقلق. فغطسن في الماء، وانصاع لهن مركبي وخاطري؛ رأسا إلى ذلك البلد؛ جزيرة "القيصرية" التي ما عاد من زيارتها ولم يحك عنها أحد. وفي المرفأ، هدأت الرياح والأمواج، وانصرفت الأسماك النسائية إلى حالها وقد أوفت بالغرض. فاستقبلتني فيه كائنات عاريات من خضار كلها نساء. فمنهن اللواتي نبت على رأسهن المعدنوس والقزبُر، ومنهن من لهن بدل الأثداء؛ الشيفلور، وأخريات؛ نهود زجاجية كُميتة، وأخريات لهن جلد من قشور نبات الملفوف، والعجيب أن بعضهن يملكن تحت عاناتهن بادنجان أزرق لمّاع. والأعجبُ من العجاب ما رأيتُ لبعضهن من أصابع من جَزَر في لون البرتقال؛ وآذان بعضهن من فول أخضر في حجم الكِلي، والشفاه من فلافل سودانية حمراء قانية. وأما الحمص فوجدته عندهن أبيض-أصفر في محل السرَّة؛ وأسدية الزعفران الجلّناري تحت الإبط. فلا تسل أيها المبتلى بالسؤال عن ضفائر بعضهن... كانت في مثل الهليون، والخمر في بعضهن جاء سيّالا من أثداء في الظهر. والمؤخرات من قرع دُكّالي في لون الكبريت، أشهر قَرَعٍ في العالم... الخدود طماطم يشع منها السكَّر، والعيون بصلات صغيرة جميلة في لون الأنتوسيان، لكن ما أقدرها على الإبكاء من هول اللذة، والشامات حبوب إبزار أسود وأبيض، وأصابع الرجل درنات بطاطا حلوة تفتن بلونها الأرجواني على الأبيض. وسِرْن بي إلى مَلِكَتهن عبر حدائق يملأها عبير أجسادهن العجيبة. في جو من الرقص والغناء والألوان. وأنا كالمسحور سعيد بالانقياد لهن إلى قصر من طابقين؛ الأرضي تلبسُه نار؛ والسماوي يخرج منه بخار. فما ارتعب قلبي لمصيري المجهول، بل على العكس من ذلك، أحسستُ بأني مُقبِلٌ على الخلود في عالم بديع لم يخبره أحد. ووقفن بي على أول درجة من القصر. فخرجتْ علينا المليكة بهيةً فاتنة عارية لا مكسوة إلا بلون بشمس الأصيل، وتكوّرات جسدها القرعي الدكالي الناعمة، ومما زادها جمالا وسلطة، بادنجتان سوداوان أسيلتان لمّاعَتان بأسفل عانتها؛ وكانت هذه محببة ببذور الكَمون، ومنها تتدلّى حزمة من اللفْت المحفور.
قال أبو ضياء: مكثتُ فيهن دهرا حتى خلتُ أنني لن أستطيع العودة إلى بلدي غُرْباتِيا... فكيف اهتديتُ إلى طريق الخلاص من سحرهن؟
فلما رأتني، تهلل وجهها، ومدّت نحوي يدها لأقبلها، فما شعرتُ إلا وأسناني تقضمُ منها قضمة، والمليكة سعيدة بفعلتي، وأنا غير خائف لسبب مجهول. والحلاوة ملء فمي؛ رأيتُ اليد القرعية المقضومة تخلف نفسها لتصير أكثر حلاوة وبهاءً. ودخلنا القصر وقالت لرعاياها:"ضيفنا جائع؛ هيئن له الطعام!" فجيء بإناء من قطعتين، ووضعن واحدة على نار؛ فهل تصدق أن المليكة قامت بنفسها إلى سكين و شرعت تقطِّعُ الأيدي والأرجل، وتلقي بها في الإناء المُغلّى، وتسلخ جلد الملفوف، وتقتلع أسدية العانات للمزيد من الذوق واللذة، كما أضافت طماطم الخدود، وفلافل الشفاه، وحلقت الرؤوس بغية اللون الأخضر ونسمة المعدنوس. وأرّبت الآذان فولا وضعتْهُ في الغليان، حتى لم تُبق واحدة من النساء الخضاريات لم تأخذ منها نصيب، وفي النهاية اقتطعت من ورائها خذعوبة، وألقت بها في حمى الأكل؛ ثم أضافت من عرقها الخاص سمْناً له رائحة الملح والحياة. وفي الإناء الثاني حتحتتْ نهدي واحدة من ذوات الشيفلور فتكوّن فيه ركامٌ من الحبِّ الدقيق الأبيض. ووضعت الإناء الثاني على الأول ليشمله البخار. ورحنا إلى الرقص والعشق في انتظار أن ينضج الأكل في فناء القصر الذي كغابة. وهاهي أبخرة الأجساد تملأ المكان. فقامت المليكة وصفّفت حبوب الكرنب في قصعة على شكل مخروط ذهبي، ثم ما لبثت أن قعرت قمته، ودسَّتْ في التقعير كميات من اللحم. وبعناية فائقة، بدأت تضع أجسادَ الخضاريات فوقه. وبخار الرغبة يتصاعد من رؤوسنا، ونحن نلتهم ذاك الأكل. حتى دخنا منه. وفي الغد؛ وفي الأيام التالية؛ نفس البهجة واللذة والدوخة. وكنت أرى نفسي أزداد سمنة وترهلا، والنساء الخضاريات تزددن رشاقة وجمالا، ولم يكن ما كنتُ فيه ليقلقني، إذ امّحى من وعيي كل قلق. ولولا تذكرة من الله، لهلكتُ ها هناك دون أن أدري. ولكنني في بعض الليالي، ركنتُ أنا وامرأة جزرية الجسد وناعمته، إلى فلك؛ فِنمنا. ولما استفقنا، وجدنا نفسينا في خضم أمواج البحر الودّي بعيدا عن جزيرة"القيصرية" الساحرة. وبقينا فيه تائهَيْن لأيام، حتى نفد شحمي وصرتُ مثل هيكل عظمي مشرفا على الموت. فقالت لي:"كلني لكي تعيش! فأنا لا أقدر على فقدانك" فأكلتها؛ وعشتُ إلى أن شارفتُ بلاد "تاوزغا"، فأيقنتُ أنني نجوتُ.
ولما اجتمعتُ بأستاذي أبي جنان وقلتُ له:"لقد انتقمتُ لك". مدَّ رجله نحوي وقال لي:"لولا هذه الخدعة ما تحفَّزتَ للمغامرة". وكانت الرجل سليمة قوية. وقال لي:[صحيح أن حوتا كاد أن يقتطعها مني و لكنني قتلته. وكنتُ خاطرتُ بحياتي لأجل سبر سر "القيصرية" فما أنقذني مما رأيتَ إلا امرأة طيبة كنتُ أحتحِتُ نهديها الشيفلوريين، وأصبّ على الحبَّات قليلا من اللبن فأطعم منه، وأسد الشهية في وجه الأكل والشرب، وهكذا أمكنني التحرر من سلطان "القيصرية". أجل ما نجّاني هو تلك الصديقة. وكان اسمها"ساي كوك" ومعناه في لغتهن "الحبة البيضاء"].
ــ ذكر هذه الرحلة يجعلني أصهدُ، وأنت أيها القارئ الحزين؛ ألا تفكر في السفر إلى "القيصرية" دون أن يكون اليوم "جمعة"؟ فكّر في الأمر! ومرحبا بك في بلادي غُرباتيا!