

خزانة الأسرار!!
تكفهر السماء أمام عينيك حين تنشدان نظرة إلى وجه القمر مع بدايات العشية، وتتسابق الغيمات المنتشرات في مساحات الفضاء القصّية نحو بعضها بعضاً.. ثم تتعانق هنا وتتشابك هناك، وتندمج حيناً وتتوازع الأماكن أحياناً لتشكل صوراً دميمة عابسة تدخل إلى فؤادك ارتعاش خوف خفيّ، وتنفث صوبك رياح باردة تطيح بكل جمال مرتجى!!
هي حالة تتمدد إلى روحك كلما أطلت الصعود نحو جذور المطر، باحثاً عن إجابات لأسئلة مبهمة حول أصول النقاء، بعد أن أعيتك رحلة اكتشاف البشر.. فقد صدمتك ألاعيب الحياة، وذابت شيئاً فشيئاً تلك الحرائر الملونة الزاهية التي أسدلتها على فوهات البراكين الهادئة شكلاً، المستعدة دوماً للانفجار.
هي حالة، تقتص منك حين تفتر همّتك وتسقط في براثن الملامح الخادعة فتستسلم لها وتبدأ بسرد همومك والتعبير عن آلامك، وشرح آفاق أحلامك، باعتبار أنك وجدت خزانة الأسرار ضالتك!! إلا أن حفنة قليلة من الأيام كافية لتبدأ حمم من تحت الرماد تتسلل فتكشف أن تلك الخزانة مجرد صندوق ورقي تالف، تمزق عند أول هبة ريح عابرة!!
تتكوم فوق ظلك متوجعاً من آثار الجراح التي مزقت روحك، تشكو لطيفك ماحل بأبيات القصيدة الغزلية، وكيف تحولت إلى حكاية تراجيدية مفبركة تتداولها الشفاه بالخفاء.
تجتاحك الدهشة لما آلت إليه علاقات البشر، حيث لم يعد هناك أي قيمة للخصوصية، وصار كل شيء مادة للثرثرة، حتى الأحاسيس الذاتية الغارقة في وديان النفس العميقة.
لقد كان الحفاظ على الأسرار فيما مضى أمراً مقدساً، حضَّ عليه الكتاب والمفكرون والساسة، وامتلأت الكتب بالمقولات والأشعار التي تعبر عن أهميته، فقد قال عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: جنبني خصالاً أربعاً: لا تطرينّي في وجهي، ولا تجرينّ علي كذبة، ولا تغتابنّ عندي أحداً، ولا تفشينّ لي سراً.
وقال بعضهم: كتمانك سرك يعقبك السلامة وإفشاؤك سرك يعقبك التبعة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه.
وقال شاعر:
صن السر بالكتمان يرضك غـبـهفقد يظهر السر المضيع فـينـدمولا تفشين سراً إلى غـير أهـلـهفيظهر خرق السر من حيث يكتموما زلت في الكتمان حتى كأننـيبرجع جواب السائلي عنك أعجـملأسلم من قول الوشاة وتسلـمـيسلمت وهل حيٌّ على الناس يسلم؟وقال آخر:لساني كـتـوم لأسـراركـمودمعي نموم لسـري مـذيعفلولا الدموع كتمت الـهـوىولولا الهوى لم تكن لي دموع