
مرثية عوني

حين تكون الريح صبا
خُذي من هذا المساءِ غصنَ آسٍوحمرةً مِن زهرِ الرمّانخُذي قليلاً من رذاذِ جدولٍ نسيتهُ الجهاتُخُذي قمراًوانبتي فوقَ رابيةٍ ، زهرةً غريبةًخُذي حجراً وبه اطرقي على جسدِ المنفىلعل المنافي طافها صدىخُذي نهرين وفي كأسِ اللوعةِ صُبِّي عذوبةًثم اشربي .. واشربيواسكري وترنحيفنحن لا نعرف الماء حتى بالخمرةِ نبتلّخُذي من سكونِ الليلِ تنهيدةَ عاشقٍودعيْنانمهرْ بألسنةِ الدعاءِ أديمِ السماءِدعيْنانتابعْ قمراً حزيناًظلَّ في وحدتِهِ لائذاًراح ينأىيغمضُ ذاكرةًأو ربما أطفأتهُ الدهشةُهل فقدنا الرؤيةَونحن نهتدي بنجمٍ لعوبٍ ؟هل خدعتنا الرؤيةُ ؟أو نبدو مثلَ بدوٍ عليهم ضاقَ أفقُهل أبصرنا شيئاً ؟ونحن منكشفون .. متضرعون .. مستغرقون في الدعاءِ :أيتها السماءُأيتها الرفعةُأحفظي هديلَ الظلالِإنما في لحظةٍ مجنونةٍ انطفأتِ الرؤيةُوالسماءُ لا تردُّ الدعاءَوالرؤيا بهيامِها ترشقُناوالعينُ بماءِ النبعِ الحارقِ استغزرتونحن نفتحُ على مصراعيها بابَ الذهولِندخلُ زمنَ الأحزانِندخلُ زمنَ البكاءِومعنا شجرٌ يدخلُندخلُ ومعنا حجرٌ يدخلُلأجلِنا طيرٌ ينتحبُومن فوقِنا مطرٌ ينهمرُونحن ضيعتنا موسيقى المساءِ***ونحن منذُ الأمسِصرنا على مقربةٍ من نورٍ ربانيٍّفعصفت بنا ريحٌاقتلعت ما بنا مِن نشوةِ اللحنِأمسِاحتطبنا على ضفّةِ نهرٍ يجري في أُبهة الكلامِفهزّنا صوتٌغيّر بنا لغةًوتوقّف النهرُأمسِونحن نحتفي بكريمِ نفسٍونصعدُ السلّمَ الخشبيَّ جمعاًعنّفتنا العَتمةُواختطفت مِنّا سيّدَ الحفلِأمسِلم نرَ وهجاً في زاويةِ الريحِأمسِ .. أمسِ .. أمسِلا ندرييا هذا الأمسِهل تيقنتَ من قائمةِ الأسماء ؟مِن ذاكرةِ اللوحةِ ؟يا هذا الأمسِ لنا ما تركتَ صاحباً***في قدّاسٍ صباحيٍّهبّت علينا صَبا حملتْ عِطراًلا ندري أهو من وردِ الجنةِأم من قبرِ حبيب ؟في قدّاسٍ صباحيٍّوكنّا مِن شدّةِ حزنٍ لا نعبأُ بالنسيمِانطلقَ يرشُّنا بالعطرِ النسيمُفي قدّاسٍ صباحيٍّكنّا تحت سقفِ بيتٍ من بيوتِ اللّهرأينا حفلاً لم نرَ مثلَه في أيِّ مكانتساءلناقيل لنااحتفى بالقادمِ بعد القدّاسِأهلُ الجنةِ***لم تأتِ القطاراتُ بعدلم تفتحْ أبوابَها المحطّاتُفمسافرُ ليلٍلم يصلْ خطَّ النهايةِوالجمعُ الذي كانلاذَ مِن مطرٍ بالسقوفِ الكاذبةِلم تأتِ الندلُ بأكؤسِ المساءفالسادةُ أدمنوا رائحةَ الوسائدواستغرقوا في نومٍ عميقٍإذن مَن يقرأُ لسيدةِ الأرقِ فنجانَها الحالمَ ؟مَن يقدمُ قهوةَ الصباحِ ؟مَن يُخبرُها عن وصولِ القطاراتِ إلى حافةِ الغيمِ إنْ وصلت ؟مَنْ يستقبلُ مسافراً في ليل ؟أو يودعُ مسافراً في ليل ؟أيها المسافرُ تمهلْ لحظةً ما بعد ليل***الآنومِن حطبِ الأيامِ لم تخرجْ نائحةٌغيبتها دهشةٌوبمحجريها دمعٌ تحجّرَلم تأتِ زائراتُ المساءِقيلَ أغلقت أبوابَها حانةٌٌكسّرت الكؤوسَوألقت ، في نهرٍ لا يجري بأرضٍ ، مفاتيحَ أسرارِهاإنما الساهرون على أباريقِ اللذةِوالسقاةُارتدوا زيّاً جنائزياً :ياقاتٌ بيضفراشاتٌ سودوحملوا باقاتٍ من وردِ الشامِالآنلم تأتِ زائراتُ المساءِربما انشغلْنَ بثراءِ حزنِ الليلكوعويلِ الجوريربما نصبَ القرنفلُ مأتماًعلى ضفّةٍ من دجلةالآنوفي مقبرةِ العظماءِحيثُ يتنهدُ الطُحلبُ من بين الأسماءِاختطَّ البكاءُ لهبين الرخامِ طريقاًفي المقبرةِ الفرنسيةِ المقابلةِ لأُبهةِ بيتٍ سكنتهُ الغرباءُاختارَ مِن بين أشبارِ الأرضِشبراً للصلاةِومثلَهُ للوقوفِ بِلا جدوىفي المقبرة التي تحتضنُ العظماءَوتحتفظُ بقنينةِ رمادٍ هي كلُّ ما تبقّى من جسدِ برتولد بريشتتوقّفَ الأصدقاءُ تحت مطرٍ أسودوأمامَ حفرةٍ صغيرةٍساعةً صمتواتحت شجرٍ باكٍ انتحبوافي المقبرةِ التي يرقدُ فيها هاينر مُلر بسلامكان المُشيعون ، أمامَ الموشحاتِ بالسوادِ ، حزناً يقطرون***في الأواخرِ من أيّارفاضت أحلامُ الجوريوازدهرت بساتينُ الجنّةِففتحتْ للأحلامِ الابوابَفي الأواخرِ من أيّاررجلٌ مِنّا أثقَلَ قلبَهُ حُبُّ المسرحِوحُبُّ الناسِفقالَ قائلٌ منّا :رأينا القلبَ وقد أوقفهُ الثقلُفي الأواخرِ من أيّارصدمَنا النبأُوبالأخبارِ صُعِقْنا***أمسِرأيتُ نجماً يحطُّ على كَتِفِ شجرةٍفتشرقُ بوجودهِ وجنةُ النافذةِوزهرةٌ تتغنّى بين يديهأمسِكانت الفراشةُ فرحاً تمتصُّ من ضحكتهِ ورحيقاًبينما السماءُ بغوايةٍ تستدرجُ زرقةًأمسِفي قاعةٍ هي هذه بعينِهانسيَ ذاكرةًوغصناً مزهراًفيما نحن يزدحمُ بنا المكانُامتشقَ سيجارةًوركبَ سحابةَ موتٍ