

ثلاثية سلاحف محمد زفزاف
لعلّني مهووس بالأرقام.
وأنا ككل المغاربة، وبحكم ثقافتي العربية الإسلامية، ولأننّي تأثرتُ بقصص (ألف ليلة وليلة)؛ لا أنكر أنّ للأرقام وقعاً سحرياً على عقلي وعاطفتي. فبجرد سماعي للرقم 1، تنتقل روحي إلى عالم الغيب، لتسبح في لجِّ الأسئلة الفلسفية المتعلّقة بالذات الإلهية. كما أن سماعي للرقم 7 ، ينقلني مباشرة إلى السماوات السبع، وإلى أيّام الأسبوع، وعموما، إلى التفكير في اللامتناهي في الكبر، وفي مفهوم الزمن. أمّا الرقم 9 ، فيرتبط عندي بمعنى (الرهط) وهو في تفكيري الموروث، مرادفٌ لجماعة من الخبثاء أو المجرمين.
قصّتي مع (سلاحف محمد زفزاف)، سببها أنّها 3 . وقبل أن أسأله عنها، استأذنته لأجل أن آخذ لها صورة؛ فقال لي:«هذه حيوانات أليفة لها ثلاث ميزات:البطء، الصبر، والصمت».
لم أعد أذكر الترتيب الذي جاء به (الأستاذ)، لكنّك مع زفزاف، لا بدّ أن تقترف التفكير.
(البطء)، بمعنى التروّي قبل اتخاذ أيّ قرار؛ و(الصبر) على أصحاب القرار؛ و(الصمت) كموقف حكيم ضدّ القرارات المجحفة.
فجلسنا للتحادث؛ ولا أنكر أنّني ما فكّرتُ كثيراً في ما حكى لي عن بعض الزعماء (على الرغم من الأهمّية الشديدة لما حكى)؛ كنتُ مستغرقا في شأن السلاحف الثلاث، أو بالأحرى، في الابتلاءات الثلاثة التي ابتُليَ بها: العزلة، الوحدانية، والكتابة. وفي ثلاثة أنواع من أشباه الأدباء: الحربائيون (على حدّ تعبيره في جلسة سابقة)، الجبناء، والوصوليون.
كما أنّني فكّرتُ (بسبب سلاحف محمد زفزاف) في مشاكلي الوجودية الخاصّة:الإحساس بالغربة المزمنة، الحيرة الأبدية، والشعور الكريه بلا جدوى الأدب في بلد يكره، يخاف، ويحتقر الأدب.
وكان لزاماً عليَّ التفكيرُ في (ثلاثية السلاحف):هل كلّها ذكور، إناث، أم أنّها ذكور وإناث؟ ولمّا سألتُ صديقي عن جنسها، قال لي:لا أعرف.
فهاجمني التفكيرُ في (الثالوث المقدس...)؛ ولكنّ كتُباً ثلاثة صرفتني عنه:«الموطأ»، «الأمير»، و"الدستور". ومنه انتقل تفكيري في (الثالوث المحرّم):الدين، السياسة، والجنس.
كيف له أن يعرف جنسَها، وهو يراها كائنات هادئة؛ تحترم، لا تطغى، وتقضي أمور حياتِها في السرّ؟
وقبل أن أخرج من متاهة "الثلاثيات" وتداعيات الرقم 3 ؛ بان لي أن (سلاحف الأديب) لها 3 مكتسبات:هناك من يعتني بها، تعيش سعيدة ، ولها بيت. وأمّا صديقي زفزاف، فلا بيتَ في ملكه، ولا من اعتنى به قبل أن يمرض، وتركوه يعيش (لوحده) شقاءَ الأشقياء. وكانت "لجنةٌ ثلاثية" قد زارتْه في بيته المتواضع، أيّاماً قبل أن يغادر الحياة، واكتفتْ بأمور 3:لمّعتْ صورتَها أمام الرأي العام ووسائل الإعلام، دعتْ له بالشفاء، وانصرفتْ من دون أيّ عطاء.
صحيح أنّهم كرّموه (بعد موتِه) بإطلاق اسمه على إحدى قاعات المعرض الدولي بالدار البيضاء، لكنّني كنتُ "أطمع" في أن يقومواْ لأجله ب3 أمور على الأقل:أن يجعلوا من بيته متحفاً للزوار الأجانب والمحليين والشباب، أن يلتفتوا إلى الأدباء ويكرموهم وهم على قيد الحياة، وأن يرعواْ صحّتهم باكرا قبل أن يلتهمهم السرطان.
والآن أتساءل:ماذا كان مصير سلاحف محمد زفزاف ال3؟
ـ هل تبنّاها أحد حُماة الكائنات المهددة بالانقراض ؟
ـ هل ماتتْ غمّاً على فراق أديب ليس ككل الأدباء؟
ـ أمْ أنّها لا زالتْ على قيد الحياة عمياء، صمّاء، بكماء؟..