بيت العم ياسر
مدخل:
قصة من صدى الواقع، تمزج بين الحقيقة وبعض الخيال السردي. تعود أحداثها إلى الأمس القريب، حين كتبتها وقرأها الراوي الأصلي، فكتب إلي قائلًا: "تنتقل القصة من واقع حقيقي إلى سرد خيالي، وأراها أكثر جرأة في نقل الحدث بصدق".
القصة
في البداية، لم يكن الوصول حدثاً، بل انزلاقاً خفياً داخل فكرة لا تعترف بحدودها. كنت أمشي، لكن الطريق هو الذي كان يختارني، يلتف حول قدميّ كما لو أنه يعيد تشكيل خطاي على مقاس شيء ينتظر.
كان الهواء أثقل مما ينبغي، كأنه يحمل بقايا كلمات لم تقل، ومع ذلك كان الصمت أكثر ضجيجاً من أي صوت ممكن.
لم يظهر بيت العمِّ ياسر دفعة واحدة، بل تسلل تدريجياً؛ أولاً كخط باهت عند حافة الرؤية، ثم ككتلة تتماسك ببطء، كأن الجدران تستعيد ذاكرتها بعد نسيان طويل. لم أكن متأكداً: هل وصلت فعلاً، أم أنني دخلت طبقة أخرى من الإدراك، حيث الأشياء لا تكون، بل تُحتمل؟
كان الباب مفتوحاً، أو ربما لم يكن هناك باب أصلاً، ومع ذلك شعرت أنني عبرت شيئاً غامضاً. في الداخل، كانت الرائحة أول ما استقبلني: مزيج من خشب متهالك، ورطوبة تشبه الذاكرة حين تتعفن قليلاً. لم يكن الضوء ضوءاً حقيقياً، بل تردداً خافتاً، كأن النور يتردد قبل أن ينتشر.
ناديت:
"العم ياسر؟"
لم أسمع صوتي، أو ربما سمعته متأخراً، يصل إلى أذني بعد أن فقدت الاهتمام به. في المقابل، جاءني رد، لا على هيئة كلمات، بل كحركة في الفراغ: كرسي انزلق ببطء، وتوقف أمامي، كأنه يدعوني إلى الجلوس، أو يختبر خوفي.
جلستُ.
وفور ذلك تغير كل شيء.
اقتربت الجدران قليلاً، لا بما يكفي ليُلاحظ مباشرة، لكن بما يكفي ليجعلك تشعر أن المكان يراقبك. في الزاوية، كانت ساعة قديمة، معطلة عن حساب الوقت، ومع ذلك كنت أسمع دقاتها. كل دقة كانت تسحب شيئاً من ذاكرتي: اسماً، وجهاً، تفصيلاً صغيراً. بدأت أنسى... دون أن أعرف ماذا أفقد.
نهضت بسرعة.
الممر الذي أمامي لم يكن موجوداً قبل لحظة، أو ربما كان موجوداً، لكنني لم أكن مستعداً لرؤيته. كان ضيقاً، طويلاً، ينحني على نفسه، كأنه يرفض النهاية. وفي عمقه، كان هناك شيء يتحرك.
ظل؟
لا... أبطأ من الظل، وأكثر وعياً.
تقدمت.
ومع كل خطوة، كان الممر يمتد، كأنني لا أقترب، بل يُعاد توزيعي داخله. عاد الصوت الذي سمعته في البداية، أوضح هذه المرة: أنفاس... ليست لي.
ثم قال:
"تأخرت."
كانت الكلمة واضحة، خرجت من أمامي، من حيث لا يقف أحد. تجمّدت.
"من هناك؟"
لم يجب الصمت، لكن الأرض تحركت تحتي قليلاً، كأن البيت يغير موقفه مني. وفجأة، انفتح باب على يميني، لم يكن موجوداً من قبل. دون تفكير، دخلت.
كانت الغرفة... حية.
الكتب على الرفوف تتنفس، وأوراقها ترتجف كما لو أنها تحاول الكلام. وعلى الطاولة كان هناك كوب ماء يغلي دون نار. اقتربت ولمست سطحه... فكان بارداً. لم يفاجئني التناقض، بل أخافني، كأن المنطق نفسه قد تخلى عني.
ثم في المرآة... رأيته.
لم يكن انعكاسي. كان رجلاً يقف خلفي، ملامحه غير مكتملة، كأنها تُمحى أثناء النظر إليها. عيناه — أو مكانهما — كانتا فارغتين، ومع ذلك شعرت أنه يراني بوضوح مرعب. استدرت بسرعة. لا أحد. عدت إلى المرآة... فكان أقرب.
قلت بصوت متردد:
"العم... ياسر؟"
ابتسم. أو هكذا خُيّل إليّ. لم يتحرك وجهه، لكن شيئاً في الغرفة انحنى نحوي، كأن الابتسامة حدثت في الجدران، في الهواء... في داخلي.
ثم قال:
"أنت الآن تفهم."
لم يأتِ صوته من الخارج، بل كان فكرة ثقيلة زُرعت في رأسي بالقوة.
بدأت أتراجع، لكن الأرض لم تعد ثابتة. أخذت الغرفة تدور ببطء، أو ربما كنت أنا من يدور داخلها. فقدت الأشياء مواقعها، وصارت احتمالات تتبدل كلما رمشت.
سأل الصوت: "الخروج؟"
لم أجب.
فقال: "الخروج ليس مكاناً.. إنه ما تتخلى عنه."
وفجأة... سقط شيء. نظرت إلى الأرض. كانت ذاكرتي. لا، لم تكن شيئاً ملموساً، لكنني شعرت بها تتناثر، كأنني أفقد تعريف نفسي. أصبح اسمي ثقيلاً، غريباً... ووجهي—هل كان هذا وجهي دائماً؟
صرخت... أو حاولت. لكن الصوت لم يخرج. في تلك اللحظة، اندفعت نحو الباب—أي باب—لم أعد أميز. تراجعت الجدران فجأة، وانكمش الممر، وانفجر الضوء بلا مصدر.
ثم... الخارج. أو ما يشبهه.
عاد الهواء خفيفاً، واستقام الطريق، وعاد العالم إلى قسوته المألوفة. وقفت أتنفس، كأنني ولدت للتو. التفتُّ. لا بيت. لا أثر. فقط فراغ عادي.
لكن حين بدأت المشي... لاحظت شيئاً. ظلي لم يكن يتبعني بدقة. كان يتأخر خطوة واحدة. توقفت. توقف بعدي.
ابتسمت... أو ربما هو من ابتسم أولاً.
وفهمتُ، متأخراً، أنني لم أغادر بيت العمِّ ياسر... بل حملته معي.
