السبت ١٠ كانون الثاني (يناير) ٢٠٢٦
بقلم صالح مهدي محمد

امرأتان في الداخل

عند المساء، جلست أمام المرآة، ليس لتتأكد من ملامحها، بل لتتأكد أنها ما زالت موجودة.

كانت المرآة صامتة، تعكس فقط ما يُسمح له بالظهور.

رفعت يدها… لكنها لم تكن يدًا واحدة. إحداهما تعرف ما تريد، والأخرى تنتظر أن يُقال لها من تكون.

منذ زمن بعيد، انقسمت دون أن تشعر، وانقسم معها عالمها الداخلي. واحدة خرجت إلى العالم، تعلّمت التكيّف، أتقنت فنّ التوقيت: متى تصمت، متى تبتسم، ومتى تمرّ بخفّة كي لا يُسأل عنها شيء.

والأخرى بقيت خلفها، لا تُرى، تراقب وتُعدّل: نبرة الصوت قبل أن تُسمع، انحناءة الرأس قبل أن تُفسّر، والكلمات التي يجب أن تُمحى قبل أن تولد.

كل ليلة، كانت الجالسة أمام المرآة تثبت مكانها، وتقترب الأخرى ببطء، لا تحمل فرشاة، بل قرارًا.

تبدأ من العنق، حيث يمرّ الصوت قبل أن يصبح كلامًا. تضغط قليلًا، لا لتخنق، بل لتُذكّر: ليس كل ما يُشعر به صالحًا للقول.

ثم تنتقل إلى الملامح، تُخفّف حدّة الحزن، تضيف طبقة رقيقة من الطمأنينة المصطنعة، وتترك في العينين نافذة غامضة، لا تُفتح بالكامل، كي لا يدخل منها السؤال الخطأ.

لم يكن ذلك قسوة، كان تدريبًا طويلًا على النجاة. مع السنوات، نسيت الجالسة شكلها الأول.

صار الوجه الذي ترتديه أسهل، أخف، أكثر قبولًا… أكثر قابلية للبقاء.

أما الأخرى، فازدادت تعبًا، لكنها لم تتوقف؛ كأن وجودها مرهون بالتصحيح المستمر،

كأنها شبح داخلي، يراقب كل حركة وكل كلمة قبل أن تراها الحياة.

وفي إحدى الليالي، سقطت المرآة. لم تنكسر، لكنها لم تعكس شيئًا. وقفت الاثنتان في فراغ بلا حدود، بلا أدوار واضحة.

سألت الأولى، بصوتٍ لم يُجرَّب من قبل: — من أنا الآن؟

لم تُجب الثانية.

وضعت يدها على عنقها للمرة الأخيرة… ثم تركتها.

في الصباح، خرجت امرأة واحدة إلى الشارع. وجهها غير متقن، صوتها متردد، لكن خطواتها كانت حقيقية.

لم تعد بحاجة إلى مرآة، ولا إلى يد أخرى تعيد رسمها… كانت أخيرًا هي، بكل ما فيها من حقيقية وهشاشة، بكل ما لم يُسمح له أن يرى النور من قبل.

لم تعد المرأة تبحث عن المرآة، ولم تعد تحاول التمثيل.

صوتها كان يرتجف أحيانًا، لكن الكلمات خرجت كما هي، بلا تعديل.

في الحافلة، في الطريق إلى السوق، كانت تراها الناس، لكنها لم تعد تراهن على أن يقرؤوها كما كانت تتوقع.

تذكّرت اليد الأخرى، ذلك الشبح القديم، لكنها لم تعد تشعر بوجوده.

أحيانًا تتسلّل الذكريات، شعور بالخوف أو الحزن، لكنها لم تعد تقطع طريقها، بل تمرّ به بهدوء.

أصبحت تسمح لنفسها بالتردد، بالمحاولة، بالخطأ أحيانًا، دون أن تصوّبها قوة غير مرئية.

الوجوه حولها كانت حيادية، لا تحكم، ولا تمنح، ولا تأخذ.

أدركت أن الوجود بلا ضبط كامل ليس ضعفًا، بل هو شكل من أشكال الحرية.

وعند المساء، تنظر إلى نافذة غرفتها، ترى انعكاس ضوء الشارع، لا صورة نفسها، وتشعر بالسلام.

لقد أصبحت واحدة، بلا مرآة، بلا يد مراقبة، بلا حاجة لأن تثبت وجودها… كانت فقط، بكل ثقلها وشفافيتها.


أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.

الأعلى