المدينة التي لم تحبني
لم تعرف هذه البلاد يوماً لوناً كما عرفت اللون الأحمر، اجتاحتها الدماء كطوفانٍ هادر، فغمرت الشوارع والبيوت، وتركت خلفها خراباً لا ينتهي.
وكانت غيوم الخوف السوداء تتلاصق فوقها فتحجب السماء وما فيها عن الأعين، وصوت الرصاص لا يُعلى عليه صوت.
لقد تحققت آمال الأسلاف في السفر عبر الزمن، ولكن ليس نحو المستقبل كما حلموا، بل نحو العصور البدائية، وانهارت حياتنا الاجتماعية التي كشفت الحرب هشاشتها عند ضغطة الزناد الأولى.
بهذه السرعة! كيف تحولت جنتي إلى جحيم؟ الناس في هرج، وأنا أسابق الزمن لأتخرج في الجامعة وأغادر مسقط رأسي بلا عودة.. إلى دمشق.
لا أحبّ المدن الكبيرة، ولا يغريني نمط الحياة فيها، حتى دمشق، درّة عواصم الكون، فهذه المدن ليست إلا عالماً مزدحماً بالمصالح والوجوه العابرة، يجد المرء نفسه يركض فيها بلا وجهة، لا يدري متى يتوقف، وإن فعل، دهسته أقدام الآخرين.
لم أحمل معي إلى دمشق إلا ذكريات ممزقة، وقليلاً من الرجاء ممزوج بالخوف، وشهادة جامعية أوصلتني إلى وظيفة حكومية براتب لا يتجاوز الثلاثين دولاراً.
إحدى عشرة سنة كانت كافية، لتصبح حلب مدينة جديدة بالمطلق، خرجت منها طريداً وعدت إليها اليوم ضيفاً ثقيلاً، وكنت في زياراتي القليلة الخاطفة إلى حلب أستعيد شيئاً من نفسي عند وصولي إلى مدخل المدينة، وينقلب لساني على الفور إلى اللهجة الحلبية التي نشتهر بها، بنبرتها العميقة القوية ووقعها الوقور، وكأنني لم أغادرها يوماً.
أما في زيارتي الأخيرة، لم يحدث شيء من ذلك، إذ أصبحت لهجتي دمشقية بالكامل، تمضي الكلمات معها بخفةٍ ودلال، بوقع موسيقي تألفه الآذان، حتى غلبت على لساني دون أن أشعر، ونسيت الأماكن والأحياء، فلا أذكر إلا أسماءها، أسأل المارّة عن طريقة الوصول إلى وجهة محددة وأشعر بلهفتهم في إرشادي كما اعتادوا عند التعامل مع كل زائر للمدينة.
لم أشعر بشيء حين تجولت في أحياء حلب القديمة، وكأنني أشاهد فيلماً سينمائياً أعرف مشاهده قبل أن تمر أمام عيني، باستثناء بعض الأحياء المدمرة، لا تزال الأماكن التي كنت أتردد عليها صاخبة، إلا أن الوجوه فيها جديدة، لم أشعر بالحسرة على تقلب الأحوال، لم أشعر بأي شيء!
بحثت جاهداً عن أي شخص جمعتني به الأيام الخوالي، لعل تذكره لي يعيدني إلى ماضٍ لن يعود، ثم وجدت بائع سجائر على الرصيف المقابل للجامعة، تذكرت وجهه على الفور رغم التجاعيد وبعض الشيب، والأحاديث القصيرة التي كنا نخوض فيها وأنا أشتري علبة السجائر اليومية كل صباح.
تقدمت نحوه بخطوات سريعة، وألقيت التحية ثم سألته بلهفة: "هل تذكرني يا عماه؟". تأمل وجهي ثم فرك ذقنه بيده النحيلة وأجاب مبتسماً: "وجهك مألوف، ولكن ذاكرتي لم تسعفني يا بني، فاعذرني".
اقتربت منه أكثر، وقلت بصوت مرتجف: "ألا تذكر اللغز الذي طرحته عليّ عندما اشتريت أول علبة سجائر؟ سألتني يومها: إذا رمينا صخرة وريشة من ارتفاع واحد، فأيهما يصل إلى الأرض أولاً؟"
ضحك الرجل وقال: "إنني أطرح هذا اللغز على جميع زبائني من طلاب كلية الهندسة، ويعجز معظمهم عن حلّه فهو .."
قاطعته بنبرة حادة وقلت: "أعلم، ولكنني حللت اللغز، ألا تذكر؟"
نظر إليّ بصمت، لم أعرف إن كان يعصر ذاكرته بحثاً عني أم يبحث عن مجاملة مناسبة تنقذه من الموقف. في تلك اللحظة شعرت بأنني أطلب منه أكثر مما يستطيع أن يمنحني؛ كنت أريده أن يعيد لي شخصاً لم يعد موجوداً، وشعرت بأنني كنت وقحاً بعض الشيء، ولم يعد بالإمكان الاستمرار في هذه المحادثة، فأخذت علبة سجائر ثم رفعت يدي للتحية وانصرفت دون أن ألتفت خلفي.
في السنوات الأولى من الحرب، كانت الريح تداعب أوراق الشجرة وتحملها بعيداً، أما الآن، فقد اقتلعتها من جذورها. إنني اليوم، ورقة صفراء تحملها نسمات الخريف بعيداً فلا تعرف مستقرّاً!
مشيت في شوارع حلب حتى كدت أن أسقط مغشياً من لهيب الشمس، ثم وجدت نفسي أتوجه بخطوات هادئة إلى المكتبة، حيث تتسلل النسمات الباردة من جهاز التكييف، والكتب المهجورة التي تنتظر قارئاً تأخر عن موعده، وقد استقرت في رفوف المكتبة وكأنها وصلت إلى نهايتها قبل أن تبدأ حكايتها.
تجولت بين الكتب كما يتجول اليتيم في مدينة الألعاب، تصفحت قرابة خمسين كتاباً، وفي داخلي رغبة مشتعلة في أن أخرج من المكتبة بصحبة جديدة، لا أريد أن أبقى وحيداً بعد الآن.
اشتريت ثمانية كتب وغادرت مدينتي الموحشة على الفور إلى دمشق التي اشتاق إليها لأول مرة. لا أدري كيف مضت هذه السنوات في العاصمة؛ لم أبادلها الحب، ولم تمنحني حباً يشبه حب المدن لأبنائها، لكنها احتضنتني في سنوات الحرب حين ضاقت الأرض عليّ بما رحبت، عشت فيها غريباً وسأبقى كذلك حتى ينقضي ما تبقى من العمر، فلن يعرف الطفل دفئاً بعد أن يفارق حضن أمه إلى حضن امرأة أخرى مهما بلغت من العطف والإشفاق.
ولكن، من أين ظهر هذا الشعور؟ كيف أشتاق لمدينة لم تمنحني الحب؟
دمشق، هي المدينة الوحيدة التي لم تسألني من أكون، ومن أين أتيت، فتحت لي أبوابها السبعة، وكانت الملاذ الذي اختبأت فيه من قسوة العالم، والمنفى الذي يليق بالمعذبين. تركتني أحيا فيها كما أنا، أمشي في طرقاتها ليلاً، وأتكئ على جدرانها العتيقة، دون أن تطلب مني أن أنتمي إليها أو أنسى ما فقدته.
عدت إلى حلب متأخراً، وقد أكملت حياتها من دوني، ثم رحلت حلب التي عرفتها ورحل شيء مني معها، وبقيت دمشق مدينة أعيش فيها ولا أنتمي إليها.
ومنذ ذلك الحين، وأنا واقف بينهما، أحمل مفتاح بيتٍ لم يعد موجوداً، وأسير نحو بيتٍ لم يكن بيتي يوماً.
